أرأيت إن كذب وتولى
[العلق: 13] كذب لأن الكلام لا يوافق هواه، لا أنه لا يوافق الواقع، إذن: أنت مخطئ في هذه المسألة ومخطئ في تكذيبك. ثم نشأ عن هذا الخطأ خطأ آخر بأن توليت وظننت وتوقعت أن تظل على حالك في الإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام. والإفساد في الأرض أن تجعل الصالح فيها غير صالح، لأن الخالق سبحانه خلق الكون على هيئة الصلاح المطلق قبل أن يخلق الإنسان، إذن: عليك أن تزيد في صلاح الكون بما لديك من طموح للأفضل وللأرقى، أو أن تيسر الصلاح للناس، وإذا لم تزد في صلاح الكون فلا أقل من أن تتركه على صلاحه لا تفسده. لذلك رأينا أن عورات المجتمع ظهرت بظهور الفساد في الأرض والملوثات في البيئة التي أفسدت الماء والهواء والطعام وكل شيء
ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس..
[الروم: 41]. والحق سبحانه وتعالى حينما يحذرنا من الإفساد في الأرض إنما يريد منا أن يستطرق الخير في المجتمع كله ويعم الجميع. وقال بعدها: ﴿ وتقطعوا أرحامكم ﴾ [محمد: 22] لأن الإفساد في الأرض يكون عاما لكل الناس أقارب وغير أقارب، فخص الأقارب لأنهم الأولى بالمعروف والإحسان لا بالقطيعة والهجر، والأقارب إما ذكور وإما إناث، الذكور لهم قوة تحمل، أما النساء ففيهم ضعف وحاجة.
لذلك كانت قطيعتهم أشد وأعظم عند الله. لذلك يصل المجتمع إلى قمة الفساد حين يصل الفساد إلى هذه المرحلة، مرحلة إهانة المرأة أو قطيعتها وهي من رحمك. وإذا رأيت المرأة في مجتمع مهيضة الجناح، أو وقع عليها ظلم أو تركت لكسب العيش والسعي على المعيشة، فاعلم أن هناك خللا في الأسرة، وأن الرجل فيها لا يقوم بدوره، أو قل ليس عنده شهامة ولا نخوة، فترك زوجته للشقاء ولم يكفها مؤنة لقمة العيش، لكن متى تخرج المرأة للعمل؟ وكيف تخرج؟ نجد الجواب في قصة سيدنا موسى مع ابنتي سيدنا شعيب عليهما السلام، اقرأ:
ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء وأبونا شيخ كبير
[القصص: 23]. إذن: علة الخروج أن أباهما سيدنا شعيب شيخ كبير لا يقدر على القيام بهذه المهمة، ثم لما اضطرتهما الظروف للخروج لم يتخليا عن الوقار والحشمة ولم يختلطا بالرجال
لا نسقي حتى يصدر الرعآء..
[القصص: 23] يعني: حين ينصرف الرجال. ثم يأتي دور المهمة الإيمانية في المجتمع
فسقى لهما..
[القصص: 24] لابد أن يوجد هذا النموذج الشهم في المجتمع، وأن يكون للرجولة دور، ذكرت لكم زمان لما سافرت للسعودية سنة خمسين، وفي يوم ركبت السيارة للذهاب إلى الكلية، وفجأة نزل السائق وأخذ طاولة عليها عجين من أمام أحد البيوت، فسألته: لماذا أخذته والباب مغلق؟ فقال: هذا العجين يعني أن صاحب البيت غير موجود، وعلى من يراه أن يأخذه ويخبزه ويعيده إلى مكانه. وقوله تعالى: ﴿ أولئك.. ﴾ [محمد: 23] أي: الذين ارتضوا التولي والإعراض عن دعوة الحق وتكذيب الداعي ليفسدوا في الأرض ويقطعوا الأرحام. ﴿ الذين لعنهم الله.. ﴾ [محمد: 23] يعني: طردهم من رحمته وأبعدهم عن رضوانه، والذين يلعنهم الله تلعنهم كذلك الملائكة، ويلعنهم اللاعنون في كل زمان ومكان، ويلعنهم كل من شقي بفسادهم. ﴿ فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾ [محمد: 23] هذه نتيجة طبيعية لمن لعنه الله أن يصم آذانهم عن سماع الحق ويعمي أبصارهم عن رؤية الآيات فلا يتدبرونها. إذن: هم يسمعون ويبصرون، لكن لا يسمعون إلا الشر، ولا يرون إلا الباطل، فقد حجبهم الله عن كل خير، وفتح عليهم باب كل شر جزاء وفاقا، لأنهم أغلقوا قلوبهم عن الحق وأحبوا الباطل فأعانهم الله عليه ويسر سبله لهم.