[الشعراء: 3]. وفي الكهف:
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6] يعني: ما عليك إلا أن تبلغ، أما مسألة الإيمان فأريدهم مؤمنين قلبا لا قالبا، طواعية لا إجبارا. وقال تعالى:
إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين
[الشعراء: 4] أي: أجبرناهم على الإيمان. وقوله سبحانه: ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ [محمد: 19] معنى { متقلبكم.
. } [محمد: 19] ذهابكم إلى أعمالكم وسعيكم في أنحاء الأرض الواسعة طلبا للرزق. و ﴿ ومثواكم ﴾ [محمد: 19] مرجعكم إلى بيوتكم ومأواكم إلى مضاجعكم بالليل. والمعنى: أنه سبحانه يعلم كل أحوالكم ولا يخفى عليه شيء من أموركم. وسبق أن تحدثنا عن فضل السعي في مناكب الأرض واستنباط خيراتها، لأنك في بيتك ستأخذ خيرات هذه البيئة وحدها، أما حين تنتقل في شتى نواحي الأرض فإنك تجد ألوانا أخرى من الخيرات. الخالق سبحانه وزع خيره على جميع أرضه، فكل أرض ولها عطاء، الصحراء لها عطاء، والأرض الزراعية لها عطاء، ليس هناك أرض فقيرة وأخرى غنية، بحيث لو أخذت قطاعا طوليا من الكرة الأرضية لوجدت فيه من الخيرات مثل ما في القطاعات الأخرى. وقد كنا نظن أن الصحراء الجرداء لا خير فيها، والآن هي مصدر الرزق الوفير لأصحابها الذين صبروا على شظف العيش فيها أعمارا طويلة. لذلك يقول تعالى:
قل سيروا في الأرض فانظروا..
[النمل: 69] وقال:
قل سيروا في الأرض ثم انظروا..
[الأنعام: 11] أي: تأملوا ما فيها من آيات وعبر، والإنسان يسافر ويتنقل إما للسياحة، وإما لطلب الرزق، وفي كلتا الحالتين ينبغي ألا يغفل عن الاعتبار والنظر في آيات الكون. وفي موضع آخر قال تعالى:
ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها..
[النساء: 97] فالتقلب هو الخروج من المكان الذي تستوطنه إلى مكان لا تستوطنه، وهذا يحتاج إلى قدرة مالية وصحبة وقوة، لذلك قال سبحانه
أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين
[النحل: 46]. قالتقلب إذن دليل القوة، فالرجل الغني هو الذي يسافر كل يوم إلى مكان يتقلب في أنحاء الأرض، أما الفقير فيلزم مكانه لا يبرحه.