" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
فقوله عن أمتي يعني: أنه غير داخل في هذا الحكم، فلا يجوز منه النسيان الذي يجوز من غيره والنسيان في حقه إذن يعد ذنبا.
" لذلك لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة رباعية وسلم منها بعد ركعتين قال له أحد الصحابة وهو ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: كل ذلك لم يكن، قال: بل بعض ذلك كان "
انظر عظمة الصحابي في السؤال، وعظمة رسول الله في الرد، وعظمة الإيمان الذى ربى هؤلاء. إذن: من الممكن أن ينسى رسول الله ويعد نسيانه ذنبا لماذا؟ لأنه رسول وصاحب رسالة مكلف بتبليغها وإشراقات النبوة لا تفارقه فكيف ينسى؟ لذلك لما سأل أحد العامة العالم العابد المنقطع لله وقال له: ما حكم من سها في الصلاة؟ قال له: عندنا أم عندكم؟ قال: بل عندنا. قال: يسجد للسهو، قال: وعندكم؟ قال: نقتله. ولماذا نذهب بعيدا وقصة معصية سيدنا آدم معروفة للجميع، قال تعالى - في حق آدم
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121] فسمى نسيان آدم معصية، لماذا؟ قالوا: لأن آدم خلقه الله بالمباشرة، خلقه الله بنفسه ونفخ فيه من روحه، فله ميزة في الخلق ليست لغيره، ولم يكلف إلا تكليفا واحدا هو عدم الأكل من الشجرة، فأي شيء ينساه وأي شيء يذكره وهو أمر واحد. لذلك كان النسيان في حقه معصية، لأنه نبي رسول وهو أبو البشر، لذلك معصية آدم جاءت لحكمة لأنه أبو البشر، والبشر على قسمين: معصوم وغير معصوم، المعصوم هم الرسل. وغير المعصوم هم بقية الخلق فلا بد أن يتمثل في آدم القسمان. فحينما يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ويقول له: { واستغفر لذنبك.
. } [محمد: 19] أي: من النسيان الذي تجاوزت عنه لأمتك استغفر أنت منه لأنه لا يغفر لك كما يغفر لأمتك. ثم تعال وانظر في المواضع التي عاتب الله فيها نبيه محمدا، اقرأ مثلا:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم
[التحريم: 1] مجرد أن واحدة من زوجاتك غضبت من شيء تحرمه على نفسك وقد أحله الله لك، فعد هذا ذنبا. كذلك لما أذن لبعض الصحابة في التخلف عن القتال عاتبه ربه:
عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين
[التوبة: 43] إذن: عاتبه على ذلك، لكن بدأه بالعفو عنه. ثم إن الرسول فيه جانبان جانب البشرية وجانب الرسالة، فآدم عليه السلام عصى ببشريته بدليل قوله تعالى:
وعصى ءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
[طه: 121-122] إذن: ما جاءته الرسالة إلا بعد أن خاض هذه التجربة، وكان منه ما يكون من البشر، ثم اجتباه ربه بالرسالة. وحين نتأمل القضايا التي عاتب فيها نبيه محمدا نجدها مسائل عامة ليس فيها نص ولا حكم شرعي خالفه رسول الله، فكان يجتهد فيها برأيه كبشر وكما يمليه الموقف. فمثلا في قصة عبد الله بن أم مكتوم الذي عاتب الله رسوله من أجله، فقال:
عبس وتولى * أن جآءه الأعمى
[عبس: 1-2] تجد هذا العتاب ليس اعتراضا على ما فعله رسول الله إنما رحمة به وشفقة عليه. لأنه ترك عبد الله وهو مؤمن جاء ليسأله عن حكم من أحكام الشرع، وأعرض عنه ليتفرغ لبعض صناديد الكفر، فهو صلى الله عليه وسلم بتفكيره البشري حريص على هداية هؤلاء، أما عبد الله فهو مؤمن بطبيعة الحال. إذن: رسول الله يشق على نفسه في سبيل دعوته، ثم اقرأ إلى نهاية القصة
وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جآءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى
[عبس: 3-10]. فكأن الحق سبحانه يقول لنبيه: يا محمد ليست مهمتك أن يؤمن الناس، مهمتك أن تدلهم وأن ترشدهم فقط
فإنما عليك البلغ..
[آل عمران: 20] وخاطبه في موضع آخر بقوله:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين