وكانت هذه المسألة عملية تدريب لآدم على احترام المنهج وعدم الخروج عليه، ونحن نفهم أيضا كذلك أنه لا تظهر عورة في المجتمع المسلم إلا حين يحدث انحراف عن المنهج، وآدم عليه السلام لم يكن رجلا عاديا، إنما كان نبيا رسولا، فأراد الحق سبحانه أن يعلمه الدرس بصورة عملية. وقوله تعالى: ﴿ وعد المتقون.. ﴾ [محمد: 15] أي: وعدهم الله بها ووعد الله حق نافذ، لأنه إله واحد ليس معه شريك يعارضه، ولا توجد قوة تحول بينه سبحانه وبين إنفاذ ما وعد، كما يحدث مثلا في وعد البشر بعضهم لبعض، لأن البشر يطرأ عليهم التغيير ويلحق بهم الموت. أما الحق سبحانه فهو الدائم الباقي وهو الحق. والجنة وعد الله لا يعد بها غيره، يعد من؟ يعد بها المتقين، والمتقي هو الذي يسير وفق منهج الله، وأن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية، ولا يكون ذلك إلا باتباع المنهج وعدم اتباع الشيطان والهوى. قال تعالى:
الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم
[البقرة: 268]. ووعد الله وعد الصدق ووعد الحق قال تعالى:
ومن أصدق من الله قيلا
[النساء: 122]. قوله تعالى: ﴿ مثل الجنة.. ﴾ [محمد: 15] يعني: أن هذا الوصف ليس وصفا للجنة، لكن مثل يقربها للأذهان، لأنه لو أراد أن يعطينا وصفا للجنة على حقيقتها لن يصل إلى ذلك إلا من خلال الألفاظ التي تعبر عن المعاني. ومعلوم في اللغة أن المعنى يوجد أولا، ثم نضع له اللفظ الدال عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم لما وصف لنا الجنة قال:
" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".
أولا: تأمل في الحديث هذا الترقي في الحواس والإدراكات، فالعين ترى ما كان في مجال الرؤية، أما الأذن فتسمع ما تراه أنت وما يراه غيرك، وأوسع من هذا كله ما يخطر بالبال أو القلب. فإذا كنا لا نصل بإدراكاتنا إلى ما في الجنة، ولا حتى يخطر لنا على بال، فكيف نصفه؟ وكيف نضع له الألفاظ المعبرة عنه؟ إذن: هذا ليس وصفا لحقيقة الجنة، إنما مجرد مثل يقربها من أفهامنا، لذلك قال تعالى عن الجنة:
فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين..
[السجدة: 17]. إذن: فيها أشياء لا نعرفها، فكيف نضع لها أسماء؟ لذلك نقربها بمثل مما نعرفه في الدنيا. ففيها كما في الدنيا ماء ولبن وخمر وعسل، لكنه مشذب، ومصفى من كل ما يشوبه، فلا يشبه نعيم الدنيا إلا في الأسماء ﴿ فيهآ أنهار من مآء غير ءاسن.. ﴾ [محمد: 15]. فماء الدنيا يأسن ويعطن وتتغير رائحته، أما ماء الجنة فماء غير آسن، وبدأ بالماء لأنه الأصل في الارتواء من العطش، وبه ينضج الطعام، وبه تتم نظافة الإنسان، بل هو عنصر أساسي في خلق كل كائن حي، قال تعالى:
وجعلنا من المآء كل شيء حي..
[الإنبياء: 30]. وإذا كنا نعرف أن مصدر الماء العذب في الدنيا هو البحار، وبعملية البخر وتكون السحب ينقى من الملوحة فيصير عذبا صالحا، فماء الجنة لا نعرف مصدره. قال الله عنه
مآء طهورا..
[الفرقان: 48] لا تشوبه شائبة، ولا تلحق به ملوثات تفسده، إذن: نعمة لا ينغصها شيء ولا تشوبها شائبة، لأنك في الدنيا تعيش بأسبابك التي خلقها الله لك. ومنا من يعكر صفو هذه الأسباب، أما في الآخرة فأنت تعيش بالمسبب سبحانه مباشرة، أنت تستضيء في الدنيا بالشمس نهارا، وبالقمر والنجوم ليلا، أما في الآخرة فلا شمس ولا قمر ولا نجوم، إنما تعيش بنور الله
وأشرقت الأرض بنور ربها..
[الزمر: 69] يعني: بلا أسباب. كذلك الماء تأخذه في الدنيا بالأسباب، وفي الجنة بلا أسباب، واقرأ قوله تعالى عن الماء في الدنيا:
وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه..
[الحجر: 22]. وقال عن ما ء الجنة:
وسقاهم ربهم شرابا طهورا
[الإنسان: 21]. وفرق في المعنى بين أسقى وسقى: أسقى: أوجد الماء الذي نستقي منه إن أردنا السقيا. فينزل الماء من السحاب فنحجزه وراء السدود حتى نحتاج إليه، لكن سقى باشر السقيا بالفعل. ومن العجيب في أنهار الجنة أنها ليس لها شطآن، وأنها متداخلة دون أن يختلط بعضها ببعض، ولا تسأل هنا عن كيفية ذلك، لأن هذا النعيم لا يقوم بالأسباب التي نعرفها، بل بالمسبب سبحانه، فلا يحكم عليها حكمك على مثلها في الدنيا. وقوله: ﴿ فيهآ.. ﴾ [محمد: 15] أي: أنها ظرف لهذه الأنهار. ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه.. ﴾ [محمد: 15] ولبن الدنيا يتغير طعمه بمرور الوقت ويفسد ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين.. ﴾ [محمد: 15] نعم أنهار من خمر معدة وجاهزة، ليس هناك عنب يعصر، إنما بكن فيكون. وإذا كانت خمر الدنيا محرمة، وتذهب بالعقل ولها رائحة كريهة، فخمر الآخرة لها لذة عند شربها ولا تذهب بالعقل، فليس لها من خمر الدنيا إلا اسمها. وليس في الدنيا أنهار من خمر لأن خمر الدنيا بالأسباب، فهو كميات قليلة بمقدار ما يعصر من العنب أو غيره، والحق سبحانه لما تكلم عن خمر الدنيا قال: