تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

45.13

الحق سبحانه وتعالى ينقلنا من تسخير البحر إلى تسخير السماوات والأرض، فهي مسخرة للإنسان منذ خلقها الله، لكن لم يعلم الإنسان وجوه هذا التسخير مرة واحدة، إنما يعلمها بمرور الزمن وتطور العلوم. كما قال سبحانه:

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..

[فصلت: 53]. فأنت مثلا حين تقرأ قوله تعالى في الفلك

وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام

[الرحمن: 24] لا بد أن تعمل العقل وتسأل كما سألنا: متى عرف الناس السفن ذات الأدوار؟ فكلمة المنشآت تدل على البناء، وكالأعلام يعني: عالية ومرتفعة كالجبال، قالوا: عرف الإنسان السفن ذات الأدوار في أواخر القرن الثامن عشر، وكانت قبل ذلك عبارة عن سطح لا شيء عليه. فمن أخبر سيدنا رسول الله بأن السفن سيكون منها منشآت كالأعلام، كذلك في قوله تعالى:

ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون

[الزخرف: 33]. والمعارج جمع معراج، وهو بلغة اليوم الأسنسير والحضارة الحديثة لم تعرف الأسنسير إلا في أواخر القرن العشرين، إذن: هذه مظاهر لإعجاز القرآن وصدقه وصدق المبلغ للقرآن، فصدق الله وصدق رسوله. وهذا يدل على أن هذه المستحدثات موجودة في علمه تعالى ولها ماكيت قبل أن يصل إليها فكر البشر، والله يظهرها لعباده حسب حاجتهم ومع مرور الزمن وتطور العلوم، وهذا معنى

سنريهم..

[فصلت: 53]. قوله تعالى: ﴿ وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض.. ﴾ [الجاثية: 13] قلنا: كل من السماوات والأرض ظرف لأشياء كثيرة، منها ما نعلمه، ومنها ما لم نتوصل إليه حتى الآن، فالسماء ننظر إليها من جهة العلو، ولا نرى من مخلوقات الله فيها إلا الشمس والقمر والنجوم والسحاب، وهذا كله في السماء الدنيا. لذلك قال سبحانه:

وزينا السمآء الدنيا بمصبيح..

[فصلت: 12] أما السماوات السبع فشيء آخر لا نعرف عنه شيئا، ويكفي أن تعرف أن بينك وبين الشمس ثماني دقائق ضوئية، وهناك مخلوقات بينك وبينها مائة سنة ضوئية اضربها في 365 يوما في 24 ساعة في 60 دقيقة في سرعة الضوء. إذن: فوقك عالم آخر فوق ما يتصوره عقلك، لذلك قال تعالى:

والسمآء بنينها بأييد وإنا لموسعون

[الذاريات: 47] بأيد، أي بقوة. فيكفي أن تتأمل في مجال تسخير الكون لك أن تنظر إلى الشمس، وكيف سخرها الخالق لك فتعطيك النور والدفء والطاقة والأشعة المختلفة دون أن تبذل في سبيل ذلك شيئا، ودون صيانة، ودون وقود، ودون أن تصل إليها أصلا. فهي تعمل في خدمتك منذ خلقها الله وإلى أن تقوم الساعة لا تحتاج منك إلى شيء، فقط عليك أن تستفيد منها، وأن تفكر في طبيعتها وكيفية استغلالها فيما ينفعك، ومثلها القمر يعطيك النور الحالم الهادئ، وبه نهتدي في ظلمة الليل:

وعلامات وبالنجم هم يهتدون

[النحل: 16]. والشمس والقمر خلقهما الله على هيئة الحركة، فهما متحركان منذ خلقهما الله وإلى قيام الساعة، يتحركان دون وقود وبلا طاقة بقانون العطالة كما قلنا، وهو أن يظل المتحرك متحركا ما لم تسكنه، ويظل الساكن ساكنا ما لم تحركه. وهذه الحركة قلنا بحساب دقيق محكم

الشمس والقمر بحسبان

[الرحمن: 5]. والأرض كذلك ظرف لأشياء كثيرة وأجناس متعددة، ففيها الجماد وهو أدنى الأجناس، فإذا أضيف إليه النمو كان النبات، فإذا أضيف إليه الإحساس كان الحيوان، فإذا أضيف إليه العقل كان الإنسان وهو أعلى هذه الأجناس وأكرمها على الله. لذلك سخر الله له كل هذه الأجناس وجعلها في خدمته، وجعله سيدا عليها وخليفة له في أرضه. والحق سبحانه عندما تكلم عن الجماد قال:

ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٤١