45.37
وهذه حيثية أخرى لوجوب الحمد لله، أن يتصف سبحانه بصفة الكبرياء، والكبرياء هو العظمة والجلال والقهر، وأيضا الأسلوب هنا أسلوب قصر ﴿ وله الكبريآء.. ﴾ [الجاثية: 37] يعني: له وحده، وهذه من أعظم نعم الله علينا حتى لا نكون عبيدا لغيره. فالله ما جعلك عبدا له إلا ليكفيك العبودية لغيره، ولولا هذا الكبرياء لله تعالى لكنا عبيدا لكل ذي قوة ولكل من نحتاج إليه، حتى الحداد والنجار الذي يقضي لك مصلحة يمكن أن يستعبدك. إذن: معنى ﴿ وله الكبريآء في السماوات والأرض.. ﴾ [الجاثية: 37] كأنه يقول لك: اطئمن يا عبدي فلن تكون عبدا لغيري، فالعظمة والجلال والكبرياء لي وحدي وأنا لكم جميعا، والخلق كلهم عيالي، وأحبهم إلي أرأفهم بعيالي. ألسنا في المثل الشعبي نقول: اللي ملوش كبير يشترى له كبير، كذلك الحق سبحانه مع المؤمنين به، الذين يعبدونه وحده يكون في جانبهم ييسر لهم أمورهم، ويقضي لهم حوائجهم، يستعينون به فيعينهم ويلجأون إليه فيحميهم ويؤيدهم. إذن: هذه الصفة لله تعالى تعد من أعظم نعمه على عباده. والحديث القدسي يؤكد هذه الصفة لله تعالى وحده، فقال سبحانه في الحديث القدسي:
" الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار ".
لماذا؟ لأنه لم يخلق هذا الخلق ولا يؤتمن عليه، لذلك الإنسان لا يتكبر على الخلق إلا إذا حجبت نفسه عن استحضار كبرياء الحق سبحانه: إنما الذي يستحضر في نفسه دائما كبرياء الله يستحي أن يتكبر، وأن ينازع ربه في هذه الصفة. والكبرياء مادتها كبر تقال بفتح الباء للدلالة على الكبر والزيادة في المادة، وبالضم تدل على العظم، ومنه قوله تعالى:
كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا
[الكهف: 5] في حادثة الإفك. والحق سبحانه أخبرنا أن من أسمائه تعالى الكبير ولم يقل الأكبر، مع أن الأكبر تعطي ميزة على الكبير، لكن جعلها الله تعالى صفة له في شعار الصلاة، فنقول: الله أكبر. لأنها تعني أن الصلاة تخرج من الكبير إلى الأكبر، وكأنه تعالى يريد أن يقول لنا: إن أعمال الحياة وحركتها شيء مهم وهو كبير لكن الله أكبر. ولأهمية العمل والسعي في حركة الحياة ترى أنه في سورة الجمعة أخرجك من العمل لتؤدي الصلاة، ثم بعد الصلاة أمرك بالعودة إلى السعي والعمل:
يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع..
[الجمعة: 9]. فأخذنا من قمة العمل وهو البيع ليعطينا الشحنة الإيمانية التي تعيننا على الاستمرار في مسيرة الحياة، فلما انقضت الصلاة قال لنا:
فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون
[الجمعة: 10]. إذن: لا نحقر العمل لأنه عند الله كبير، وبه قوام الحياة واستمرارها، لكن إذا ما قورن العمل والسعي بالصلاة فالصلاة أكبر وأهم وأعظم، فإذا عدنا إلى التسمية نجد أن الله اختار لنفسه سبحانه الكبير لا الأكبر، لأن الأكبر ما دونه كبير، أما الكبير فما دونه صغير، فكل شيء دون الله صغير. وقوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ [الجاثية: 37] العزيز هو الغالب الذي لا يغلب، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه، فصفة الكبرياء لله تعالى لا تعني القهر والجبروت والفتونة بلا ضابط، بل هو أيضا سبحانه حكيم يصرف الأمور وفق حكمة مطلقة. والمتأمل في سورة الجاثية يجد أنها بدأت بقول الله تعالى:
حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم
[الجاثية: 1-2] وختمت أيضا بقوله تعالى: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ [الجاثية: 37]. وكأن السورة وضعت بين قوسين من العزة والحكمة لله تعالى والكبرياء والحمد لله سبحانه، ومن العجيب أن الأحقاف بعدها بدأت أيضا بقول الله تعالى:
حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم