تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

45.25

لم تستقم للكافرين حجة واحدة، بل كانت لهم حجج كثيرة يسوقونها للتملص من الإيمان بالله ورسوله وقرآنه، لذلك نجدهم عندما تتلى عليهم آيات الله أي: آيات القرآن نجد لهم حججا كثيرة متنوعة. يقول تعالى:

وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هذا..

[الأنفال: 31]. وفي آية أخرى يقول:

وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله..

[يونس: 15]. فهم يطلبون طلبين. الطلب الأول: يريدون قرآنا غير الذي أنزله الله. والطلب الثاني: أنهم يريدون تبديل آية مكان آية. وهم قد طلبوا حذف الآيات التى تهزأ بالأصنام، وكذلك الآيات التي تتوعدهم بسوء المصير. وكما طعنوا في القرآن وأرادوا تبديله وتغييره طعنوا في رسول الله الذي أنزل عليه هذا القرآن، فقالوا:

وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم وقالوا ما هذآ إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جآءهم إن هذآ إلا سحر مبين

[سبأ: 43]. حجج تتلوها حجج، ومقصدهم أن لا يؤمنوا، وهم يعلمون أن كل حججهم ساقطة لا أساس لها، وقد يسأل سائل: إذا كان الله يسوق حججهم في عدة أيات من قرآنه. فلماذا يقول في آية سورة الجاثية: ﴿ ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ.. ﴾ [الجاثية: 25]. فلماذا حصر حجتهم هنا ب ما كان وإلا؟ ولو تأملنا كل الحجج السابقة سنجدها مجرد تلاكيك لأن لا يؤمنوا، ولكن حجتهم الرئيسية التي كانت أصيلة فيهم وفي تفكيرهم هي أنهم لم يكونوا يؤمنون بالبعث بعد الموت. لذلك قال الله تعالى: ﴿ ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ.. ﴾ [الجاثية: 25]. وقد قال الحق سبحانه:

إن هؤلاء ليقولون * إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين * فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين

[الدخان: 34-36]. وكان منهم من أمسك عظاما بالية في يده وفركها حتى أصبحت رمادا ويتطاير

وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا

[الإسراء: 49]. لقد كانوا يستبعدون البعث بعد الموت، لأنهم غفلوا عن بداية الوجود وبداية خلق الإنسان، ولو أحصينا تعداد العالم لوجدناه يتزايد في الاستقبال ويقل في الماضي، وهكذا إلى أن نصل بأصل الإنسان إلى الأصل الأصيل وهو آدم وحواء، فمن أين أتيا إلى الوجود؟ فهذه قضية غيبية كان لا بد أن يفكروا فيها. ولقد رد عليهم القرآن إنكارهم للبعث وقولهم:

أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا

[الإسراء: 49] بقوله تعالى:

قل هل من شركآئكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون

[يونس: 34]. إن الله سبحانه هو وحده القادر على ذلك، فكيف تقلبون الحقائق لأنكم تعرفون الواقع وتكذبونه كذبا متعمدا؟ هؤلاء ﴿ وإذا تتلى عليهم ءايتنا.. ﴾ [الجاثية: 25] أي: إذا تتلى عليهم آيات القرآن بينات واضحات الدلالة. ﴿ ما كان حجتهم.. ﴾ [الجاثية: 25] يعني: لم يجدوا حجة يحتجون بها على عنادهم وإنكارهم ﴿ إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ.. ﴾ [الجاثية: 25] أي: الذين ماتوا إن كنتم صادقين. وهذا طلب يدل على إفلاسهم وعنادهم، فليس عندهم منطق ولا حجة تبرر هذا العناد. لذلك رد الله عليهم بقوله: ﴿ قل الله يحييكم ثم يميتكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٥٤