45.19
أي: كفار مكة لأنهم ذهبوا إلى عمه أبي طالب وقالوا: لو كان ابن أخيك يريد المال جمعنا له من أموالنا حتى يصير أغنانا، وإن كان يريد الملك ملكناه علينا، فقال سيدنا رسول الله قولته المشهورة:
" والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ".
﴿ وإن الظالمين بعضهم أوليآء بعض.. ﴾ [الجاثية: 19] أي: يعين بعضهم بعضا ويساند بعضهم بعضا، فقد جمعهم الظلم ووحد أهدافهم ﴿ والله ولي المتقين ﴾ [الجاثية: 19] أي: في المقابل الله، هو ولي المتقين يعينهم ويؤيدهم وينصرهم، فهذه من المقابلات التي تزيد المعنى وضوحا.
45.20
كلمة ﴿ بصائر.. ﴾ [الجاثية: 20] جمع بصيرة، وهي ما يوجد في وجدان الإنسان من نور الحق، فالبصر يرى الماديات، والبصيرة ترى المعنويات والقيم وتميزها. إذن: محلها القلب، فهي نور يقذفه الله تعالى في قلب عبده، نقول: فلان عنده بصيرة، يعني: نظر ثاقب للأمور، ويمكنه أن يتنبأ بالشيء فيأتي وفق تنبؤه. والهدى أو الهداية أن تصل إلى الحق من أقرب طريق وأيسره عليك، فليس في الهدى مشقة، لذلك وصف الله المؤمنين بقوله:
أولئك على هدى من ربهم..
[البقرة: 5] فهم على الهدى كأنه دابة تحملهم إلى غايتهم، وإلى مراد الحق منهم. ﴿ ورحمة.. ﴾ [الجاثية: 20] هذه كلها أوصاف للقرآن الكريم، فهو بصائر للناس وهو هدى وهو رحمة، وفي آية أخرى قال سبحانه:
وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين..
[الإسراء: 82]. وقلنا: هناك فرق بين الشفاء والرحمة، فالشفاء يعني وجود داء يعالجه القرآن أو اعوجاج يقومه القرآن ويصحح مساره، فالقرآن يجبر ما فينا من نقص، ومن تقصير، ومن غفلة، ومن انحراف ويعدل مسارنا إلى الطريق الصحيح وإلى الحركة البناءة. مثل التلميذ حين ينصرف عن دروسه، فإنه يرسب ويفشل فإن عاد إلى الصواب وذاكر ينجح كذلك، فنحن إن غفلنا عن كتاب ربنا وعن منهجه أصابتنا الأمراض فإن عدنا إليه شفانا. أما الرحمة فتعني ألا يأتي الداء أصلا. وقوله سبحانه: ﴿ هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ﴾ [الجاثية: 20] أي: أن هذا الأثر للقرآن لا يكون إلا للموقنين المؤمنين به وبصدقه، وأنه هو المنهج الحق الذي يحوي النور والهداية والشفاء والرحمة.