وحملناه على ذات ألواح ودسر
[القمر: 13]. والسفينة لا تسير على صفحة الماء إلا إذا توفرت لها بعض القوانين، وهذا هو التسخير. أولا: لا بد أن يكون الماء سائلا ليسمح بجريان السفينة حين يحركها الهواء ويدفعها، ولو كان جامدا ما حصل السير. ثانيا: يكون الماء خاليا من اللزوجة. ثالثا: تكون كثافة الماء أقل من كثافة السفينة، فلو أخذت مثلا قطعة من المعدن ورميت بها في الماء فإنها تغرق فيه، إنما لو طرقت هذه القطعة وجعلتها مفلطحة ووسعت مساحتها فإنها تعوم. فمن تسخير الله للبحر أن جعله صالحا لسير السفن ﴿ الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره.. ﴾ [الجاثية: 12] كما قال في موضع آخر:
بسم الله مجريها ومرساها..
[هود: 41]. ومن تسخير الله للبحر أن جعله مصدرا لكثير من المأكولات والأرزاق ﴿ ولتبتغوا من فضله.. ﴾ [الجاثية: 12]. ففضل الله في البحر كثير، فيه القوت اللازم لاستبقاء الحياة، وفيه الترف والزينة مثل اللؤلؤ والمرجان وغيرهما من الأشياء الثمينة حتى قالوا: إن الثروات في أعماق البحار أكثر من الثروات فوق سطح الأرض. ثم على سطح الماء تسير بكم السفن إلى مواطن الأرزاق في أي مكان. وفي آيات أخرى فصل الحق سبحانه قوله: ﴿ ولتبتغوا من فضله.. ﴾ [الجاثية: 12] فقال:
وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا..
[النحل: 14] وهو أنواع الأسماك والحيوانات البحرية التي تؤكل:
وتستخرجوا منه حلية تلبسونها..
[النحل: 14]. والمراد اللؤلؤ والمرجان والأحجار الكريمة التي تستخرج من أعماق البحار لذلك قال العلماء: إن حلية البحر غير محرمة مع أنها أغلى من الذهب، لكن لم يأت النص بتحريمها على الرجال كما فعل في الذهب، لماذا؟ لأن الذهب نقد يتعامل الناس به على شكل عملات وجنيهات نقدية، فغرضه أساسا التعامل بين الناس في البيع والشراء، وهو واسطة بين الإنتاج والاستهلاك، وليست حلية البحر كذلك.
وقوله: ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ [الجاثية: 12] أمر بالشكر على النعمة، فكلما رأيت مظهرا من مظاهر نعمة الله قل الحمد لله واعترف لله بالفضل، لذلك علمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء الركوب للسفن أو غيرها، ومن هذا الدعاء:
" سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ".