تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين

[التكاثر: 5-7] وفي سورة الواقعة:

إن هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم

[الواقعة: 95-96].

45.5

أي: من آياته الكونية الدالة على قدرته تعالى اختلاف الليل والنهار، وفي آيات أخرى عرفنا أن الليل وحده آية والنهار وحده آية، والكلام هنا عن اختلاف الليل والنهار، ومجرد اختلافهما آية من آيات الله. فالليل والنهار مختلفان من عدة وجوه: مختلفان في ظلمة الليل ونور النهار، ومختلفان طولا وقصرا، وكذلك مختلفان في المهمة، وهما ظرفان لزمن الأحداث، وقد يطول الليل ويقصر النهار، أو يطول النهار ويقصر الليل، ثم يتساويان في المدة. فمثلا نجد الليل يطول في الشتاء ويقصر في الصيف، وهذا لحكمة، فنحن نعمل طوال يوم الشتاء حيث اعتدال الجو الذي يساعد على العمل لذلك نحتاج إلى فترة أطول للراحة، فنجد ذلك في ليل الشتاء الطويل. ثم لو نظرت إلى الليل والنهار بصورة أوسع تشمل الكرة الأرضية كلها وجدت أنهما متداخلان، فالنهار عندك ليل عند غيرك، والليل عندك نهار عند غيرك، فهما موجودان معا، لكن في أماكن متباعدة من الأرض. وهكذا تجد كل لحظة من لحظات الزمن يبدأ فيها ليل وينتهي نهار، أو يبدأ فيها نهار وينتهي ليل، إذن: هي حركة دائرة لا تنتهي، مواقيت مختلفة في الزمن كله. فلو أخذنا مثلا الأذان لوجدناه يدور في كل لحظة من لحظات الزمن بكل لفظ من ألفاظه، ففي اللحظة التي تقول فيها الله أكبر غيرك يقول أشهد ألا إله إلا الله وغيرك يقول أشهد أن محمدا رسول الله وهكذا. والأمر كذلك في الصلاة، فحين تصلي الظهر، غيرك يصلي العصر، وغيرك يصلي المغرب، وآخر يصلي العشاء في اللحظة ذاتها. إذن: نستطيع أن نقول بوجود كل الأوقات في كل الأوقات، وأن الحق سبحانه يعبد في كل لحظة بكل أنواع العبادات، وأن ألفاظ الأذان دائرة في سمع الدنيا كلها، تستوعب كل الزمان وكل المكان. وهذا كله من اختلاف الليل والنهار طولا وقصرا، والطول والقصر ناتج عن حركة الشمس، وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى دقة في الملاحظة، فالشمس حين تشرق عندك تغيب عند غيرك، فكل مشرق عند قوم مغرب عند آخرين. وهذه تفسر لنا قوله تعالى:

رب المشرقين ورب المغربين

[الرحمن: 17] فقال مشرقين ومغربين، لأن المشرق عندك مغرب عند غيرك في نفس الوقت. فإذا نظرت إلى امتداد الزمان في جزئياته الدقيقة بالثانية وجدت مشارق ومغارب، كما قال سبحانه:

برب المشرق والمغرب..

[المعارج: 40] فإذا نظرت إلى المكان الواحد وجدت مشرقا ومغربا، وقد قال سبحانه

رب المشرق والمغرب..

[المزمل: 9] إذن: فهو صادق في كل ما أخبرنا به سبحانه. ومن آيات الليل والنهار أيضا أن الله جعلهما خلفة، يعني: الليل يخلف النهار والنهار يخلف الليل، قال تعالى:

وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا

[الفرقان: 62]. وقد فهمنا من هذه الآية أن الأرض كروية، فهذه النظرية العلمية الحديثة أثبتها القرآن وسبق بها، فمعنى أن الليل والنهار خلفة أن الأرض مثل الكرة بحيث في الخلق الأول خلقت الأرض مواجهة في ناحية منها للشمس. فكانت هذه الناحية النهار والمقابلة لها الليل، إذن: خلق الليل والنهار معا، وولدا معا، ثم لما دارت الأرض خلف الليل النهار، وخلف النهار الليل، ولو لم تكن الأرض مكورة ما حدث هذا. وهذه الحقيقة أكدها الحق سبحانه بصورة أوضح في قوله تعالى:

لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون

[يس: 40] لأن العرب كانوا يعتقدون أن الليل أسبق من النهار، لذلك كانوا يؤرخون للمناسك بدورة القمر، فالشمس نعرف منها اليوم، والقمر نعرف منه الشهر، ومن الشهر تكون السنة. كذلك رمضان يثبت بليله لا بنهاره، لأنه يعتمد على ظهور الهلال لذلك اعتقدوا أن الليل أسبق من النهار فصوب لهم القرآن هذا الاعتقاد فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٣١