تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

45.15

فتأمل ﴿ فلنفسه.. ﴾ [الجاثية: 15] في العمل الصالح وعليها في الإساءة ﴿ ثم إلى ربكم ترجعون ﴾ [الجاثية: 15] فكأن الجزاء السابق له وعليه قبل الرجوع إلى الله في الآخرة. نعم هذا في الدنيا ليعتدل ميزان حركة الحياة، لأن الجزاء كله لو أخر إلى الآخرة لاستسهل الناس الذنب، وهان عليهم الوقوع فيه فاستشرى الباطل وزاد الشر. لذلك لا بد من حدوث شيء من العقاب الدنيوي لتستقيم الأمور لذلك يقول تعالى:

وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك..

[الطور: 47]. وقال عن عذاب أهل النار:

ولنذيقنهم من العذاب الأدنى..

[السجدة: 21] يعني: القريب في الدنيا

دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون

[السجدة: 21] أي: في الآخرة. وهذا المبدأ واضح في سورة الكهف في قول ذي القرنين:

أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا

[الكهف: 87].

45.16

هذه تسلية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت عانى فيه أشد المعاناة من المعاصرين له من صناديد الكفر عنادا وجحودا واستكبارا وإيذاء بالقول وبالفعل وبالمكر والتآمر، فلم يتركوا شيئا يؤذي رسول الله إلا فعلوه. لذلك يسليه ربه يقول له: لست بدعا في ذلك، فقد واجه إخوانك الأنبياء السابقون مثل هذا العنت والتكذيب، فخذ من تاريخ الدعوة قبلك سلوى، لأنك جئتهم بالحق وهم يريدون الباطل، فلا بد أن يصادموك. يقول تعالى: ﴿ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب.. ﴾ [الجاثية: 16] أي: التوراة كما أنزل عليك القرآن ﴿ والحكم.. ﴾ [الجاثية: 16] أي: مقاييس العدل التي بها تستقيم أمور الخلق. والحكم في بني إسرائيل مثل السنة عندنا مثلا لذلك خاطب الحق سبحانه نساء النبي بقوله:

واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله..

[الأحزاب: 34] أي: القرآن

والحكمة

أي: أحاديث رسول الله. ﴿ والنبوة.. ﴾ [الجاثية: 16] حيث جعل الحق سبحانه النبوة في بني إسرائيل أكثر من أي أمة أخرى، حتى إنهم ليفتخرون على باقي الأمم بهذه المسألة، والواقع أنها ليست مجالا للفخر بل دلت على عيب فيهم ومأخذ يؤخذ عليهم، لأن كثرة الأنبياء تدل على فساد الخلق، فالأمة لا تحتاج إلى رسول جديد إلا إذا استشرى فيها الفساد. إذن: كثرة الأنبياء دلت دلت على كثرة الفساد فيهم. إذن: كثرة الأنبياء فيهم ليست شهادة لهم، بل عليهم، لذلك وجدناهم يكثرون من قتل الأنبياء بما لم يحدث في أي أمة أخرى، لذلك وجدناهم يتآمرون لقتل محمد هو الآخر لكن هيهات. الحق سبحانه وتعالى بين لهم أن هذه المسألة خاصة بكم أنتم ومقتصرة على أنبيائكم فقط فحبسها عليهم، فقال تعالى:

فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل..

[البقرة: 91] يعني: هذا الكلام كان زمان، أما الآن فلا ولن تتمكنوا منه أبدا. وقوله تعالى: ﴿ ورزقناهم من الطيبات.. ﴾ [الجاثية: 16] ومن هذه الطيبات المن والسلوى التي أنزلها الله عليهم في فترة التيه، حيث لا استقرار ولا أرض تزرع، فأنزل الله عليهم المن وهو سائل يشبه العسل ينزل على أوراق الشجر حبيبات شفافة تتساقط في الصباح، طعمه حلو كأنه خليط من العسل والقشدة. أما السلوى فهو طائر مهاجر مثل السمان ويتوافر فيه البروتين، إذن: من المن والسلوى أعطاهم الغذاء الكامل، ومع ذلك غلبت عليهم ماديتهم، وأرادوا أن يأكلوا مما تحت أيديهم مما تخرج الأرض، يقولون إن هذا الطعام الجاهز قد لا يأتي، فقد لا ينزل المن ولا يأتيهم السلوى. لذلك قالوا لموسى:

لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها..

[البقرة: 61]. بل وصلت بهم ماديتهم إلى أن طلبوا من موسى عليه السلام رؤية الحق سبحانه فقالوا:

لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة..

[البقرة: 55]. وقوله سبحانه: ﴿ وفضلناهم على العالمين ﴾ [الجاثية: 16] قالوا: عالمي زمانهم، ليست على إطلاقها، لأن بني إسرائيل عاشوا في زمن ساد فيه الكفر والوثنية، وكانوا هم أهل كتاب يؤمنون بالله، فكانوا هم أفضل ممن عاصرهم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٤٧