45.21
الفعل ﴿ حسب.. ﴾ [الجاثية: 21] بكسر السين يعني: ظن، وهناك حسب بالفتح من الحساب والعد. ومعنى ﴿ اجترحوا السيئات.. ﴾ [الجاثية: 21] يعني: فعلوها واكتسبوها لذلك نسمي الجوارح من الطيور الكاسبات لأنها تستخدم للصيد، فهي كواسب. والسيئة هي كل ما يسوء صاحبه، يسوءه عقابا أو ذما. وفي الآية استفهام يفيد الإنكار والتعجب من هذا الظن، فكيف نسوي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين الطائعين والعاصين، فالذين انصرفوا عن دعوتك يا محمد، وظنوا أن نسويهم بالذين آمنوا ظنهم خاطئ. فشتان بين هذا وذاك، ولن نعاملهم كما نعاملكم، بل نعاملهم في الدنيا بالهزيمة، ونعاملكم بالنصرة والتمكين، ونعاملهم في الآخرة بالعذاب، ونعاملكم بالنعيم والثواب. ﴿ سوآء محياهم ومماتهم.. ﴾ [الجاثية: 21] يعني: لا نسوي بينكم وبينهم، لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة ﴿ سآء ما يحكمون ﴾ [الجاثية: 21] فمن يحكم بالمساواة هنا ساء حكمه وبطل، لأنه حكم جائر مناف للحق وللعدل. فكأن ظنهم هذا هو الذي أرداهم وأغراهم بعدم الإيمان بك، وإلا لو أيقنوا أن الغاية مختلفة، وأن الجزاء مختلف لآمنوا وعملوا الصالحات.
45.22
بعد أن تكلم الحق سبحانه أن الظن الجائر والخاطئ من الكافرين، وهو أن نسويهم بالذين آمنوا. وبعد أن بين سبحانه وجه الظلم في هذا الظن يحدثنا هنا عن عدله سبحانه، وعن ميزان الحق الذي به قامت السماوات والأرض بداية، وقبل أن يخلق الإنسان، وقبل أن يوجد المؤمن والكافر. فبالحق خلق الله السماوات والأرض، وأنشأهما بحساب دقيق وعدل مطلق، فعدالة السماء لا تقتصر على جزاء الآخرة كل بعمله، إنما هي عدالة أزلية بها قامت عملية الخلق. ﴿ وخلق الله السموت والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ﴾ [الجاثية: 22] والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، ونحن نرى آيات الله في الكون سمائه وأرضه نجدها آيات ثابتة تسير بنظام محكم دقيق لا يتخلف أبدا ولا يتبدل، لأنها بنيت بداية على الحق. وكأن الله تعالى يعطينا إشارة ويلفت أنظارنا إلى أن حركة حياتنا في هذه الدنيا لن تستقيم ولن تسير في سلام إلا إذا قامت على الحق وبنيت بميزان الحق، الذي به قامت السماوات والأرض. اقرأ مثلا:
الشمس والقمر بحسبان
[الرحمن: 5] أي: خلقت بحساب دقيق
والنجم والشجر يسجدان * والسمآء رفعها ووضع الميزان
[الرحمن: 6-7]. وتأمل ختام الآية: ﴿ ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ﴾ [الجاثية: 22] فما دام الأمر قائما على الحق، فلا بد أن تتحقق العدالة في الجزاء، وأن ينتفي الظلم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه... ﴾.