45.6
﴿ تلك.. ﴾ [الجاثية: 6] إشارة إلى آيات القرآن، أو إلى الآيات الكونية التي سبقت ﴿ نتلوها عليك بالحق.. ﴾ [الجاثية: 6] والحق كما قلنا هو الشيء الثابت الذي لا يتغير ويقابله الباطل، الحق هو الحكم بقضية مطابقة للواقع، والباطل الحكم بقضية مخالفة للواقع. لذلك قلنا: إن شاهد الحق لا تتغير أقواله مهما أعدت عليه السؤال، أما شاهد الزور فهو لا بد أن يغير في أقواله، ذلك لأن شاهد الحق يصور واقعا فيأتي واحدا لا يتغير، وشاهد الزور يصور أوهاما وتخيلات فلا بد أن تتغير. لذلك الحق سبحانه يريد منا أن نأخذ بالحق، وأن نجعله مقياسا للأشياء كلها كما نتخذ المتر مثلا وحدة للقياس ولا نخرج عنها. يريد منا أن نحكم بالحق وأن نجعله أساسا في بناء الأشياء، فالساعة لا تضبط لك التوقيت إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة. لذلك قال تعالى في آيتي الشمس والقمر:
الشمس والقمر بحسبان
[الرحمن: 5] يعني: مخلوقان بحساب دقيق، ولأنهما خلقا بحسبان جعلهما الله تعالى آلة لحساب الزمن، فالشيء الذي تعتبره مقياسا لا بد أن تقيسه أولا على الحق وتقيمه على الحق. لذلك أخبر سبحانه أنه خلق السماوات والأرض بالحق، فهي تسير بميزان دقيق محكم لا يتخلف أبدا منذ خلق الله هذا الكون وإلى قيام الساعة. وقلنا: لأن الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير فهو الباقي، وهو المنتصر، وهو الذي يعلو في نهاية الصراع، وإن علا الباطل فلحين وليعطي فرصة للباطل حتى يعض الناس ويشقى به المجتمع فيعود الناس إلى ساحة الحق. لذلك نقول: إن الباطل جندي من جنود الحق، وإذا كان الإسلام قد علا في جزيرة العرب لإعجاز القرآن، فكيف علا وانتشر في بلاد فارس والروم. قالوا: لأنهم كانوا في ذلك الوقت مقهورين بالباطل، فلما رأوا عدل الإسلام وسماحته أسرعوا إليه لذلك فتح الإسلام نصف الدنيا في نصف قرن من الزمان، لأن الناس كانت متشوقة إلى مثل هذا الدين الحق. والحق سبحانه يريد أن يعطينا صورة محسوسة تصور الحق وتصور الباطل في لوحة واحدة، فيقول عز وجل:
أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال
[الرعد: 17]. وقوله سبحانه: ﴿ فبأي حديث بعد الله وءايته يؤمنون ﴾ [الجاثية: 6] يعني: إذا لم تقنعهم كل هذه الآيات الكونية وكل هذا الإعجاز، وإذا لم يقنعهم كلام الله فبأي شيء يؤمنون بعد ذلك. إذن: المسألة بالنسبة لهم عناد ولدد، فإذا لم يقنعهم حديث الله فأي حديث بعده يقنعهم. ونسألهم: أهناك حديث أصدق من حديث الله؟ أو إخبار أصدق من إخباره؟ إنه سبحانه يتودد إليكم ببيان آياته في كونه لتؤمنوا وليأخذ بأيديكم إلى ساحة الإيمان وهو الغني عنكم، فقط يحرص عليكم لأنكم عباده وصنعته ويريدكم في أحسن حال. لذلك أرسل لكم الرسل، وأنزل لكم الكتب، وبين لكم الحلال والحرام والحق والباطل فلم اللدد؟ ولم العناد في الإيمان؟ مع أن الإيمان بالله شرف، والعبودية له سبحانه عزة، كلمة عبودية كلمة ممقوتة تدل على الذلة والانكسار، أما مع الله فهي شرف وكرامة وعزة.