تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[فاطر: 27] فقدم الثمار وهي من النبات قدمها على الجماد، لأننا لا نأكل الجماد وإنما نأكل النبات والثمار هي محصلته وما يهمني منه، وهي من مقومات الحياة. ثم تكلم عن الجبال وهي مصدر الخيرات والثروات والمعادن والأحجار الكريمة لذلك قال عنها في آية أخرى:

وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها..

[فصلت: 10] أي: في الجبال. وسبق أن بينا أن الجبال هي مصادر القوت ومخازنه في الأرض، ذلك لأنها مصدر التربة الغنية الخصبة التي تنساب مع ماء المطر، وتنتشر في أنحاء الأرض فتزيد من خصوبتها:

وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم

[الحجر: 21]. فأجناس الخلق كلها فيها آيات، فالجماد انظر مثلا إلى الجبال وما فيها من خيرات وألوان شتى فيها الرخام والجرانيت والمرمر وغيرها، والنبات ويمثل المصدر الأساسي للقوت، انظر مثلا إلى النخلة العربية وقارنها بالنخلة الأفرنجي، فالنخلة عندنا مصدر للقوت وننتفع بكل شيء فيها بحيث لا يرمى منها شيء أبدا. لذلك تجد لها درجا يمكنك من الصعود عليها لتقليم جريدها أو جمع ثمارها، أما النخلة الأفرنجي فهي للزينة، لذلك تجدها ملساء يصعب الصعود عليها، هذا من حكمة الخلق ودقته، فتبارك الله أحسن الخالقين. تأمل جريدة النخيل تجدها عريضة من أصلها ونحيفة رفيعة من طرفها، والورق فيها على عكس ذلك فهو مسطح منبسط من أعلى، ثم يأخذ ينبرم إلى أن يصير شوكا عند أصل الجريدة، القريب من الثمر، وذلك لأن هذه الأشواك تحمي الثمار من الفئران، ثم تأمل أن هذه الأشواك تنتهي عند أصل الجريدة، ولا تمتد إلى الشماريخ التي تحمل الثمار. ثم تأمل الساق فهي في النخلة طويلة مستقيمة على خلاف الأشجار الأخرى تجدها قصيرة ومتفرعة، لأن الثمار عليها صغيرة يسهل حملها على الفروع، أما ثمرة البطيخ مثلا فهي على ساق رفيع لولبي يتمدد على الأرض، لأن الثمرة ثقيلة.

إذن: المسألة قدرة ليست ميكانيكا، وفي الأكل تأكل مثلا قشرة المشمش وتترك اللب بعكس اللوز فتأكل اللب وتترك القشرة، هذه طلاقة قدرة وحكمة عالية للخالق عز وجل، ثمرة التين تأكلها كلها فليس لها قشرة، أما البرتقال أو اليوسفي فله قشرة، ثم تأمل اختلاف الألوان والطعوم في النباتات وهي تسقى بماء واحد. وقل: سبحان الخالق. تأمل الأشجار تجد منها أشجارا خضراء ليس لها ثمار وتظن أنها لا فائدة منها، لكن لا بد أن يكون لها فائدة إما لك وإما لغيرك من المخلوقات، ويكفي أنها زينة وجمال ومصدر للأكسوجين وربما كانت لها فوائد أنت لا تعرفها، تجد مثلا من هذه الأشجار لها أزهار مختلفة الأشكال والألوان والروائح. وهذا عالم آخر من الإبداع الجمالي في الطبيعة، ولهذه الألوان والروائح المختلفة حكمة لأنها تجذب الفراشات والحشرات التي تقوم بعملية التلقيح للمزروعات، ولكل فراشة أو حشرة مزاج في اللون وفي الرائحة. لذلك لما انتشرت المبيدات الحشرية قلت هذه الظاهرة ولم نعد نرى الأزهار في الحقول لماذا؟ لأن المبيدات قتلت الفراشات التي تقوم بمهمة التلقيح. وحين تتأمل عملية التلقيح ذاتها تجد فيها آية من آيات الخلق وبديع صنع الله تعالى، فمن المزروعات ما نعرف كيفية تلقيحه كالنخيل مثلا، ونعرف أن منه الذكر ومنه الأنثى، وهذا واضح في شكل الشجرة لكن شجرة المانجو مثلا لا نعرف كيف تتم فيها عملية التلقيح؟ وحين ترى كل هذا الجمال في الخلق، عليك أن تذكر الخالق وتقول: تبارك الله أحسن الخالقين. وأجمل من الحسن من خلق الحسن. وكلمة ﴿ جميعا منه.. ﴾ [الجاثية: 13] كلمة جميع من كلمات التوكيد، فهي تعني كل ما في السماوات وما في الأرض من الله بلا استثناء، فكل صغيرة وكل كبيرة من الذرة إلى المجرة من فضل الله، ما تعرفه وما لم يحط به علمك. وكلمة منه قرأها بعضهم منة والمعنى لم يبعد عن المراد فهي من الله، وهي منة من الله. وأنتم تعرفون أن القرآن أول ما جمع جمع بدون نقاط وبدون تشكيل اعتمادا على الملكة العربية في فهم المعاني واستنباطها، ويروى أن حمادا الراوية كان لا يحفظ القرآن، فلما جاءوا له بالمصحف قرأ:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٤٢