فاضمن لنفسك بعد موتك ذكرها
فالذكر للإنسان عمر ثان
ولا شك أن شوقي لا يعني بالذكر الولد، إنما يعني العمل الصالح والأثر الطيب الذي يخلد ذكرى صاحبه، إذن: تحتاج الولد لأنك ستموت وسيحمل ولدك اسمك وذكراك، أما الحق سبحانه فباق لا يموت، وقد كان عبد المطلب لا يعيش له أولاد فنذر لله إذا رزقه أولادا أن يذبح واحدا منهم تقربا لله تعالى، فالإنسان يحتاج الأولاد ليكونوا عزوة كما يقولون، وآخر يقول إذا مت، من يأخذ في العزاء؟ سبحان الله إذن ضمنت أنك ستعزي وولدك من بعدك سيعزى.
إذن: المسألة فان في فان. نعم، لهذه الأسباب نحتاج نحن الولد ونسعى إليه، أما الحق سبحانه فباق لا يموت، فبماذا ينفعه الولد ولم يتخذه، وله سبحانه ملك السماوات والأرض؟ لذلك يرد الحق عليهم:
لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء
[الزمر: 4] لو أراد سبحانه لاختار ما يشاء، فهو الذي يقول، وهو الذي يختار لا أنتم لذلك كان رسول الله مؤدبا في عبوديته مع ربه، فقال:
قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين
[الزخرف: 81] يعني: إن كان للرحمن ولد أخبر هو سبحانه به، فأنا أول المؤمنين بوجوده. وفي موضع آخر، قال في الرد عليهم:
وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا
[مريم: 92] فالحق سبحانه لم يتخذ ولدا، ولا ينبغي له ذلك، ولا يناسبه أبدا، لأن معنى الوالدية أو المولودية مفقود في حقه تعالى، لأنه باق لا يموت، فيحتاج إلى من يحمل ذكراه، وهو الغني عن خلقه، وله ملك السماوات والأرض، والعباد كلهم صنعته وعياله، فلا يحتاج إلى عزوة كما تحتاجون. وقال سبحانه:
ما اتخذ صاحبة ولا ولدا
[الجن: 3] يعني: لم يكن له صاحبة. يعني: زوجة حتى يكون له منها ولد. إذن: هذا كله إفك وافتراء على الله لذلك وصفهم الله بالإفك، ثم بالكذب المؤكد في ﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون ﴾ [الصافات: 151-152]. لكن، لماذا هذا الإفك وهذا الكذب؟ قالوا: ليحتفظوا لأنفسهم بالسلطة الزمنية التي كانت لهم قبل الإسلام، السلطة الزمنية التي جعلت لهم الزعامة والرياسة والجاه، ومعلوم أن اليهود في المدينة كانت لهم مكانتهم المالية والعلمية والحربية، وكانوا يستفتحون على الكافرين برسول الله
فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به
[البقرة: 89] لماذا؟ لأنهم يعرفون أنه سيسلب منهم هذه السلطة. وسمى الله كذبهم إفكا، لأن الإفك هو الكذب المتعمد، وافتراء الكذب المتعمد إنما كان إفكا لأنه يقلب الحقائق، ومن ذلك سميت المؤتفكة، وهي القرية التي قلبها الله بأهلها، فجعل عاليها سافلها. والكذب المتعمد قلب للحقيقة لأن الإنسان إذا قال قضية، هذه القضية تسمى نسبة كلامية، فإن سبقها نسبة وجودية تطابق الكلام فالكلام صدق، وإن كانت النسبة لكلام لا واقع له فهي كذب، والكذب على درجات، أعلاها وأشدها الافتراء على الله تعالى في قضية واضحة، وفي أصل من أصول العقيدة، فليس الكذب هنا في أمر هين، عدة جنيهات مثلا، بل الكذب هنا في القمة العقدية. ﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله ﴾ [الصافات: 151-152] فنسبوا لله تعالى الولد مباشرة، وليس مجرد اتخاذ الولد. لذلك يحكم الله عليهم ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ [الصافات: 152] لكن هذا أسلوب خبري، والخبر من الله تعالى صادق لا شك، لكنه في العقل قضية تحتمل الصدق والكذب، لذلك يطوقهم الله بأسلوب آخر لا يجدون منه منفذا، يثبت كلامهم في أذهان قارئيه أو سامعيه، يطوقهم بهذا الإقرار، فيقول سبحانه: ﴿ أصطفى البنات على... ﴾.