تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الزخرف: 17-18] يعني: أتجعلون لله من يربى في النعمة والزينة، وهم البنات، وتجعلون لأنفسكم البنين القادرين على العمل والسعي وتحمل المشاق، لذلك حكم سبحانه على هذه المسألة بأنها قسمة ظالمة جائرة. فقال سبحانه:

ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى

[النجم: 21-22] تأمل كلمة ضيزى، والله لو كان في غير القرآن لكان ثقيلا غير مستساغ، لكنه يأتي في سياقه من كلام الله طبيعيا سلسبيلا، لماذا؟ لأنه وضع في مكانه ليعبر عن هذه القسمة الجائرة العجيبة، التي لا يعبر عنها إلا هذا اللفظ العجيب بما يحمله من جرس يرن في الأذن. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ﴾ [الصافات: 150]. إذن: أنتم مخطئون، بل جهلة أغبياء في قضيتين: الأولى: أنكم جعلتم الملائكة إناثا، والأخرى: أنكم أخذتم الذكور لأنفسكم وتركتم لله البنات، فمن قال لكم إن الملائكة بنات، فكلمة بنت وولد منشؤها الزوجية والتناسل، والملائكة لا يتزوجون ولا يتناسلون، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة. ثم إن الذي يحكم على الملائكة بأنهم إناث لا بد أن يكون قد شهد خلقكم، والله يقول:

وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون

[الزخرف: 19]. وقال في سورة الكهف:

مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا

[الكهف: 51] الحق سبحانه يخبرنا بهذه الحقيقة

وما كنت متخذ المضلين عضدا

[الكهف: 51] يعني: معاونين ومساعدين في عملية الخلق، فهو يفضح هؤلاء الذين سيأتون ويتحدثون في مسألة الخلق كأنهم رأوها، فيقولون: الملائكة إناث. ويقولون: الإنسان أصله قرد إلى آخر هذه الادعاءات. الحق يحذرنا منهم ليعطينا المناعة اللازمة لمواجهتهم، ويكفي أن نعلم أن هذه مسألة غيبية لا علم لهم بها، إلا ما أخبرنا به الخالق سبحانه، ومع ذلك ترك لنا في الكون ما يبين صدقه فيما لم نشهد.

والحق سبحانه ينقض هذه الأباطيل بقوله سبحانه:

ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون

[الذاريات: 49]. فكل جنس من الأجناس قائم بذاته، وليس هناك شيء متطور عن شيء آخر. كذلك قال سبحانه:

سبحان الذي خلق الأزواج كلها

[يس: 36]. أما الملائكة فلهم طبيعة خاصة لا تصلح للزوجية لأنهم لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون.. إلخ وإن كانت هذه مسألة مخالفة للعقل، فخذها هي الأخرى ضمن الأشياء المخالفة للعقل، والتي يختبر بها إيمانك بالمغيبات التي أخبرك بها ربك، وهذه المغيبات التي أخبرك بها ربك، وهذه المغيبات التي أخبرك الله بها رصيدها أنك آمنت بالقائل المخبر بها. ثم ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى فيقول: ﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون ﴾ [الصافات: 151-152] إذن: فجرأتهم على الله لم تنته عند حد وصفهم الملائكة بأنهم إناث، ولا عند نسبتهم البنات لله تعالى، بل وصلت جرأتهم إلى ذات الله سبحانه، فقالوا: ﴿ ولد الله ﴾ [الصافات: 152]. وكأن الحق سبحانه يفسح للمكابر ويرخي له العنان حتى يقول كلمة تكشف كذبه، وتفضح ادعاءه، وتظهر أن المكابر في أمر الدين أحمق غبي، لأنهم قالوا

اتخذ الله ولدا

[البقرة: 116] والآن يقولون ولد الله وفرق كبير بين القولين: ولد الله نسبوا لله الولد مباشرة إنما اتخذ الله ولدا يعني: لم يلد إنما تبنى ولدا، فالأصل أنه ليس له ولد، لذلك اتخذ ولدا. وقد رد الله على قولهم ولد الله فقال:

قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد

[الإخلاص: 1-4]. ورد على قولهم:

اتخذ الله ولدا

[البقرة: 116] فقال:

ما اتخذ صاحبة ولا ولدا

[الجن: 3]. ولنبحث نحن مسألة اتخاذ الولد من خلال واقعنا: لماذا نسعى للولد ونطلبه؟ لماذا نحزن نحن حين يمتنع الإنجاب ونقلق حين يتأخر الولد؟ قالوا: لأن الولد ذكرى وامتداد لأبيه لذلك يفرح الرجل بابنه ويفرح أكثر بحفيده لأنه بالولد ضمن ذكراه جيلا، وبالحفيد ضمن ذكراه جيلين، عجيب أمرنا مع الدنيا، كيف نتمحك فيها ونتشبث بها ولو بالذكرى، وإذا لم تدم لك الدنيا فما انتفاعك بدنيا غيرك؟ ولما تحدث شوقي - رحمه الله - في هذه المسألة لما جاءه حفيد وفرح به قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٧٢