فظن أن لن نقدر عليه
[الأنبياء: 87] البعض فهم نقدر من القدرة، وحاشا لله أن يظن نبي الله أن الله لن يقدر عليه، ولن يعيده إلى قومه. إنما معنى نقدر هنا أي: نضيق عليه، كما في قوله تعالى:
ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله
[الطلاق: 7] فهي ثقة منه في رحمة من أرسله، وأنه سبحانه لن يضيق عليه أن ينفس عن عواطفه حين ترك قومه دون إذن من ربه. ومعنى الفلك السفينة المشحون المملوء، وهذا يدلنا على أن السفينة حملا خاصا، لا ينبغي أن يزيد، وإلا تعرضت السفينة للغرق حسب قاعدة أرشميدس، وبهذه القاعدة تطفو الأشياء، وعليها قامت فكرة الغواصات، معنى غواصة يعني: تغوص تحت الماء، لأن وزنها أثقل من إزاحة الماء لذلك يقولون: خف تعوم. وما دام أن الفلك مشحون، والعدد أزيد من حمل السفينة فقرر القبطان أن يلقي بأحد الركاب ليخف الحمل، فأجروا القرعة، فخرج سهم سيدنا يونس، فألقوا به في البحر فالتقمه الحوت، هذا معنى ﴿ فساهم.. ﴾ [الصافات: 141] أي: دخل معهم في القرعة، وألقى بسهمه مع سهامهم، ﴿ فكان من المدحضين ﴾ [الصافات: 141] معنى ﴿ المدحضين ﴾ [الصافات: 141] المدحض الخاسر في الصفقة، والمراد القرعة حيث كان من نصيبه أن يلقى هو في البحر. والقرعة طريقة للاختيار، تبرئ مالك السفينة من أن يتهم بالتحيز أو المحاباة، وعملية إلقاء السهام مسألة قدرية خالصة، لا دخل فيها للهوى، وهي دليل على عدالة الحكم لذلك كثيرا ما نلجأ في إجراء القرعة إلى طفل صغير، يختار الأوراق الملقاة مثلا، لماذا؟ لأنه لا يستطيع التمييز بينها لذلك يأتي اختياره قدرا منزها عن الهوى.
فقوله تعالى ﴿ فساهم ﴾ [الصافات: 141] يعني: دخل معهم في القرعة يعطينا لقطة اجتماعية تعفينا من الحرج والضغائن، لأنه إذا وجد شيء لا يتسع للطالبين له، لا يصح أن يميز القائم عليه بين هؤلاء الطالبين لأن تمييز واحد على الآخر يورث في النفس شيئا، وإجراء القرعة اختيار قدري لا دخل لأحد فيه. وهذه المسألة لجأ إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
" حينما دخل المدينة والتف الناس حوله، كل يريد أن يأخذ بزمام ناقته صلى الله عليه وسلم ليذهب برسول الله إلى بيته، فكيف يفعل رسول الله وهو يريد ألا يكسر خاطر أحد منهم؟ لقد حسم رسول الله هذا الموقف، حين قال: " دعوها فإنها مأمورة " "
فأخرج نفسه من الاختيار، وتركه لله تعالى ولقدره، وسارت الناقة حتى بركت عند ديار بني النجار. قد يقول قائل: هل تنجو السفينة أو تغرق بسبب شخص واحد خف من وزنها أو زاد عليه؟ نقول: نعم ألم تسمع عن القشة التي قصمت ظهر البعير، فأنت حين تحمل الجمل يتحمل على قدر طاقته، حتى إذا زدت عليه عودا واحدا برك بحمله، والحقيقة أن العود الواحد أو القشة لا تقصم ظهر البعير، إنما مجموع العيدان والقشة الأخيرة هي فقط التي رجحت الوزن ووصلت به إلى درجة عدم التحمل، كذلك الحال في سفينة سيدنا يونس، حيث توقف نجاتها من الغرق على إلقاء واحد من ركابها، وهلاك واحد خير من هلاك الجميع. ونتعلم من هذه المسألة أنه لا مانع حين يحل الخطر بالجماعة أن يدفعه عنهم أحدهم، والقرعة هي التي تحدد هذا الواحد. ثم يقول سبحانه ﴿ فالتقمه الحوت وهو مليم ﴾ [الصافات: 142] أي: ابتلعه الحوت، وقد فعل عليه السلام ما يلام عليه، واللوم نوع من العتاب، وفرق بين ما تلام عليه وما تعاقب عليه، سيدنا يونس فعل ما يعاتب عليه من ربه - عز وجل - وكأن الله يقول له: لقد تسرعت حين تركت قومك وضقت بهم لأول إيذاء تتعرض له، وكان عليك أن تصبر، وأن تتحمل الأذى في سبيل دعوتك. فاللوم ضرب من العتاب، لا يصل إلى درجة العقاب، وغالبا ما ينشأ العتاب بين الأحبة لاستبقاء المودة، لذلك قال الشاعر:
أما العتاب فبالأحبة أخلق