تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونحن نرى مثلا رجال المرور يعمدون إلى سيارة جديدة محطمة، ويجعلونها في مكان بارز يراه الناس ليرتدع السائقون عن الرعونة في السرعة، فهذه السيارة وسيلة إيضاح ونموذج جعل كذلك لهدف، وربما تعمدوا إعدام السيارة لما يترتب على إعدام سيارة واحدة من نجاة ملايين السيارات. كذلك أنت أيها المعافى، حين ترى أصحاب العاهات تقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وتلتفت إلى نعم الله عليك التي كثيرا ما تغفل عنها، فإن قلت: فما ذنب هذا المبتلى أن يجعله الله وسيلة إيضاح لغيره؟ نقول: لو أدركت ما وجده من العوض عما فقد لتمنيت أن تكون مثله، لذلك نلاحظ أن أصحاب العاهات عوضهم الله بخصلة أخرى تعوض ما فيه من نقص لذلك نقول في الأمثال: كل ذي عاهة جبار وقد رأيتم فاقد الذراعين يلضم الخيط في الإبرة برجليه، والطفل المكفوف يحفظ القرآن كله وهو ابن السادسة، أخذ الله منه البصر وأعطاه البصيرة، إنها مواهب لا يستطيعها الأصحاء. وسبق أن قلنا إن الأكتع لو ضربك بيده الكتعاء لعرفت أنها ضربة مميتة، لأنها يد مستريحة لا تعمل، ففيها من القوة ما ليس للصحيحة، وإذا انفعل كانت كل قوته في هذه اليد. ونحن نقول لإخواننا الذين ابتلاهم الله بفقد البصر: صناديق العلم!! لماذا؟ لأنهم حصلوا من العلم ما يعجز عنه المبصرون ذلك لأن المبصر تشغله المرائي المتعددة من حوله، أما المكفوف فلا يشغله شيء، فبؤرة الشعور عنده دائما خالية جاهزة للاستقبال، ثم هو لا يستطيع أن يقرأ بنفسه، فينتهز فرصة أن يقرأ له، فينصت جيدا، ويعي ما يسمع بحيث لا يحتاج إلى إعادته مرة أخرى لذلك قال أحدهم:

عميت جنينا والذكاء من العمى

فجئت عجيب الظن للعلم موئلا

وغاب ضياء العين بالقلب رافدا

لعلم إذا ما ضيع الناس حصلا

إذن: نحن حينما نرى أصحاب العاهات أو الابتلاءات ننظر إلى كمالنا نحن، ولا ننظر إلى ما عوضوا به من مواهب في جوانب أخرى، وسبق أن قلنا: إن الذي أبدع السيمفونية العالمية المشهورة كان أصم!! وتيمورلنك الذي دوخ العالم وصاحب الفتوحات المعروف كان أعرج!! والمؤمن الحق حين يرى غيره ممن ابتلاهم الله لا يتعالى عليهم ولا يدل عليهم بسلامة جوارحه، إنما يتواضع لهم، وهو يعلم أن هذا النقص يقابله عوض فيقول في نفسه: يا ترى في أي الجوانب تتفوق علي وتتميز عني؟ وبهذه النظرة يتساوى الجميع. نقول: فعلى الإنسان أن يظل دائما على ذكر لهذه الحقيقة أنه خليفة لله في الكون ليس أصيلا فيه، وما أشبه هذه الخلافة بالوكالة حين توكل غيرك في شيء بعينه، فإن اعتبر نفسه وكيلا في كل شيء فسدت الوكالة لذلك نرى العقلاء حين يوكلون غيرهم يوكلون على قدر الحاجة والضرورة حتى لا تستغل الوكالة، ويطغى الوكيل على صاحب الحق الأصيل.

وصلاح الدنيا كلها واستقامة أمور الناس قائمة على هذا المبدأ، مبدأ الاستخلاف، فالأصل في الإنسان أن يظل خليفة محتاجا لمن استخلفه، والعادة أن الاستغناء ينسيك، والحاجة تلجئك وتعطفك إلى من استخلفك. ولما خلق الله آدم ليكون خليفة في الأرض، هل أنزله في الوجود ليباشر مهمته في إعمار الأرض واستنباط أسرار الله في الكون، دون أن يعده لهذه المهمة؟ كيف ونحن نأخذ مثلا اللاعب الذي نعده لمجرد أن يلعب فندربه ونعلمه ونصرف عليه ونصحح له أخطاءه، إلى أن يصل إلى المستوى المطلوب منه، فما بالك بمهمة إعمار الأرض؟ كذلك الحق - سبحانه وتعالى - درب آدم على هذه المهمة، فأسكنه في بستان فيه كل ما تشتهيه النفس:

وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظلمين

[البقرة: 35]. وهكذا حدد الخالق سبحانه لآدم كيفية معيشته في الجنة، فأحل له أن يأكل منها كما يشاء، باستثناء شجرة واحدة. إذن: فالحلال كثير لا يعد ولا يحصى، أما الحرام فمحدود، وكذلك شأن الله تعالى في الحياة، فالأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء به نص يحرمه وهو محصور في أشياء بعينها. وتأمل هنا هذا الاحتياط التشريعي في قوله سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٥٩