أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون
[البقرة: 133]. ومعلوم أن إسماعيل أخو إسحاق، ومع ذلك أدخله في جملة الآباء بالنسبة لسيدنا يعقوب، عليهم جميعا الصلاة والسلام. وسيدنا إبراهيم في معرض دعوته لأبيه وقومه يسألهم هذا السؤال:
ما تعبدون
[الشعراء: 70] وفي موضع آخر: ﴿ ماذا تعبدون ﴾ [الصافات: 85] و
ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون
[الأنبياء: 52]. وهنا: ﴿ ماذا تعبدون * أإفكا آلهة دون الله تريدون ﴾ [الصافات: 85-86] وهذه كلها استفهام إنكاري، وقلنا: إن الاستفهام أقوى من الإخبار لأن الإخبار يمكن أن يكذب، أما الاستفهام فيجعل الخصم يقر بالقضية، ولا يستطيع أن يكذبها. والإفك هو أقبح أنواع الكذب لأن القبح في الكذب على مراحل، كيف؟ قالوا: ننظر في الموضوع الذي يكون فيه الكذب، فإن كان في الحقيقة العليا في الذات الإلهية، فهو أقبح الكذب كمن يدعي لله شريكا. فإن كان الكذب على البشر فهو بحسب من تكذب في حقه، فمثلا الذين اتهموا السيدة عائشة وخاضوا في عرضها سماه الله إفكا لشناعته وعظم منزلة من قيل في حقه هذا الكذب، فقال سبحانه:
إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم..
[النور: 11]. ومن معاني الإفك قلب الشيء على وجهه، وقلب الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى:
والمؤتفكة أهوى
[النجم: 53]. والمعنى: أتريدون آلهة إفكا وكذبا دون الله ﴿ فما ظنكم برب العالمين ﴾ [الصافات: 87] أخبرونا ماذا تظنون في الله؟ وما الذي لا يعجبكم في ألوهيته سبحانه؟ وكيف تخدعون أنفسكم، فتنصرفون عنه سبحانه، وهو رب العالمين، ومثال ذلك قوله تعالى:
يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم
[الانفطار: 6]. لذلك قال أحد العارفين: كأن الحق سبحانه لقن الناس الجواب، فالذي غرني بالله أنه كريم. والطرفة هنا أن رجلا رأى آخر يصلي صلاة على عجل، ينقرها نقرا، فقال له: بالله لو عليك خمسة قروش لواحد، يصح أنك تعطيها له ممسوحة؟ فقال الرجل: والله، لو كان كريما سيقبلها ولا ينظر فيها. فكأن الحق سبحانه يتعجب من هؤلاء الذين أشركوا به سبحانه، مع وضوح الدليل على بطلان شركهم، والشيء لا يتعجب منه إلا إذا جاء على غير ما يجب أن يكون عليه من الصدق لذلك قال سبحانه في أول البقرة:
كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون
[البقرة: 28]. يعني: هذا أمر عجيب منكم، ومسألة لا يقبلها العقل. ثم بدأ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يحقق قول ربه:
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض..
[الأنعام: 75] وسبق أن فرقنا بين الملك والملك والملكوت.