إذن: كون هذه الشجرة في أصل الجحيم، وهم يعيشون على ثمرها ويحتاجون إليها وهي شاخصة أمامهم، هذا كله تقريع لهم على ما كذبوا به. وهذه المسألة تذكرنا بسيدنا إبراهيم - عليه السلام - حين ألقي في النار، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وعطل بقدرته تعالى قانون الإحراق. الحق سبحانه يريد أن يبشع صورة هذه الشجرة، مع أن العرب يعرفون شجرة بهذا الاسم، ويعرفون خبثها ونتن ريحها ومرارة طعمها، ويعرفون طلعها البسيط، لكن أحدا لم ير الطلع الذي يشبه رءوس الشياطين. إذن: المراد تبشيعه وإعطاء الفرصة للتخيل أن يذهب في تصور بشاعته كل مذهب، فطلع كل شيء يكون جميلا، بل هو أجمل ما في الشجرة، أما هذه فطلعها كأنه رءوس الشياطين، ولك أن تتصور ما فيه من القبح والدمامة والشكل المنفر. ومعلوم أن العرب كانت تعتقد أن الشياطين أقبح صورة، ويقابله الملاك أحسن وأجمل صورة، ومن ذلك قول النسوة لما رأين يوسف عليه السلام:
حاش لله ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم
[يوسف: 31]. إذن: راعى القرآن في هذا التشبيه معتقدات العرب، وجاء بصورة مجهولة. نعم لكن سيتصورها كل واحد بمقاييس القبح عنده، ولو أتى بمثل محدد معروف في القبح، لكان على لون واحد، وربما كان قبيحا في نظر شخص وغير قبيح في نظر الآخر، لكن الحق سبحانه يريد منظرا مقبحا عند الكل، ومن منا يتصور الشيطان جميلا؟ لذلك قلنا: إذا جئنا برسامي الكاريكاتير في العالم، وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة تخيلية للشيطان، فسوف يرسم كل منهم صورة للقبح في نظره، ولن تجد فيها صورة مثل الأخرى. إذن: جاء تشبيه طلع شجرة الزقوم برءوس الشياطين، ليشيع معاني القبح جميعا في النفوس، وهذه الصورة كفيلة بأن تنفرنا من هذه الشجرة. وأصل الطلع هو الكم الذي يحوي أول ثمرة للشجرة، ويقال للكوز الذي يحوي ثمرة النخل وما يشبهها. فإذا خرجت منه الشماريخ، وبانت استدارته وتكوينه يسمى بلح طالما كان أخضر اللون. والبلحة لها ثلاثة أوصاف: الأول: حجمها، فإذا أخذت حجمها الطبيعي والنهائي يبدو دون لون، فتتلون إما حمراء أو صفراء، وفي هذه المرحلة يقولون البلح عفر ويسمونه زهو. الثاني: إذا استقر اللون وكملت حمرته أو صفرته يسمونه بسر. الوصف الثالث: بعد الحجم واللون يأتي القوام: لين أو يابس بحسب البيئة، فإن كانت حارة جافة، فإنها تؤثر على البسر وتجففه، فيتحول إلى تمر، وإن كانت البيئة باردة رطبة صار البسر رطبا.