تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من طين

[المؤمنون: 12] و

من تراب

[الحج: 5] و

من حمإ مسنون

[الحجر: 33] و

من صلصال كالفخار

[الرحمن: 14]. وقد غاب عنهم أن هذه مراحل للشيء الواحد كما قلنا، فالماء يوضع على التراب فيصير طينا، ولو ترك هذا الطين إلى أن يعطن أو يتعفن يصير حمأ مسنونا، فإن ترك حتى يجف يصير صلصالا. الحق سبحانه يحدثنا هنا عن الخلق الأول للإنسان ﴿ فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنآ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ [الصافات: 11] لأن آدم عليه السلام خلق من الطين ثم خلقت بعده حواء، والقرآن قص علينا قصة خلق آدم، لكن اكتفى في خلق حواء بقوله تعالى:

وخلق منها زوجها

[النساء: 1]. قالوا: ﴿ منها ﴾ يعني من جنس تكوينها، فيصح أن تكون حواء قد خلقت مثل آدم من الطين، أو خلقت من ضلع من أضلاعه، وفي كلتا الحالتين تعود إلى أصل الطين، والله تعالى يخلق ما يشاء، وسبق أن بينا طلاقة القدرة في عملية خلق الإنسان، وأنها استوعبت كل الصور العقلية لهذه العملية، فالله سبحانه يخلق من لا أب ولا أم، ويخلق من أب بلا أم، ويخلق من أم بلا أب، وقد يجتمع الأب والأم ولا يحدث بينهما إنجاب. يقول الحق سبحانه:

يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما

[الشورى: 49-50]. إذن: خلق الإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام من الطين، وخلقت من جنسه زوجه، ثم جاءت الذرية من آدم بعد أن فارق الطينية وصار إنسانا، فنحن وإن جئنا من نسل إنسان، إلا أنه يعود في أصله إلى الطين، فإن قلت: أين الطينية، وقد تشكل شكلا آخر غير الطين، بدليل أنه إذا استحم بالماء لا يذوب كما يذوب الطين وتتفكك جزئياته.

نقول: لا بد أن يرد الإنسان الأصل أو الفرع إلى الأصل الأول وهو الطين لأن الإنسان يتوالد ويتكاثر بواسطة الحيوان المنوي في الذكر والبويضة في الأنثى، فمن أين يأتي هذا وهذه؟ من الدم، والدم نتيجة الغذاء، والغذاء مصدره الأرض والطين. إذن: سنؤول لا محالة إلى الطين، لكن من الطين مرة بواسطة، ومرة بدون واسطة. والحق سبحانه نبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى:

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق

[فصلت: 53]. فنحن لم نشاهد عملية الخلق، إنما أخبرنا الله بها، فعلمنا أن الإنسان خلق من الطين الذي مر بهذه المراحل، حتى نفخ الله فيه الروح، ودبت فيه الحياة، هذا كله لم نشاهده، لكن شاهدنا الموت الذي ينقض الحياة، وعلينا نحن أن نأخذ مما نشاهده دليلا على صدق الغيب الذي أخبرنا الله به ولم نشاهده. ونحن نعلم أن نقض الشيء يأتي على عكس بنائه، فالذي يهدم عمارة مثلا من عدة أدوار يبدأ بالدور الأخير، كذلك يأتي الموت عكس الحياة، فأول شيء، تخرج الروح، ومعلوم أن نفخ الروح في الإنسان هى آخر مرحلة في مراحل الخلق، فإذا ما فارقت الروح الجسد عاد إلى أصله، حيث يرم الجسد وتمتص الأرض ما فيه من الماء، ثم يتحلل الباقي ويعود إلى التراب الذي جاء منه. ثم آخر، هو أن الإنسان الذي خلق من الطين وقوامه الغذاء الذي يخرج من الطين، لما حلل العلماء جسم الإنسان وجدوه مكونا من 16 عنصرا. أولها: الأوكسجين، ثم الكربون، ثم الهيدروجين، ثم النتروجين.. الخ. وهي نفس العناصر المكونة للتربة الزراعية الخصبة التي تعطينا القوت، إذن: يكون هذا دليلا على صدق الحق - تبارك وتعالى - في قوله: ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ [الصافات: 11].

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٣١