تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والصف الواحد ليس فقط للمقاتلين في ساحة القتال، إنما أيضا لحاملي الدعوة، فيجب على هؤلاء العلماء أن يكونوا في دعواهم صفا واحدا لا يشقه خلاف، فما كان في كلام الله محكما التزموا به، وما كان متشابها لا يكفر بعضهم بعضا بسببه. ﴿ فالزاجرات زجرا ﴾ [الصافات: 2] قالوا: هذه هي مهمة الملائكة أن تزجر الشياطين الذين يسترقون السمع، كما قال تعالى:

وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا

[الجن: 9]. وكانت الشياطين قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تصعد في السماء، وتتسمع الأخبار، ويمكنهم الله من بعض الأخبار والأوامر فيسمعونها ويلقونها إلى أوليائهم من البشر، فيزيدون عليها أشياء باطلة، ويخبرون الناس بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، فلما كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم منعوا من استراق السمع، وسلط الله عليهم الشهب تنقض عليهم فتحرقهم. فإن قلت: كيف، ونحن نرى النجوم على كثرتها، هي هي لا تنقص، نقول: لأن النجوم منها نجوم في السماء للزينة، ومنها نجوم للرجم، بدليل قوله تعالى:

إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ولهم عذاب واصب

[الصافات: 6-9]. أما ﴿ فالتليت ذكرا ﴾ [الصافات: 3] قالوا: هي المنزلات الوحي على الرسل لأنهم يتلونه عليهم، بعد أن نزلوا به من عند الله. آخرون فهموا ﴿ والصافات ﴾ [الصافات: 1] على معنى آخر يتفرع عنه معان أخرى للزاجرات زجرا والتاليات ذكرا، قالوا: معنى ﴿ والصافات ﴾ [الصافات: 1] أي: المؤمنين يصفون للصلاة، لأنها عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:

" سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة "

وقال:

" إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج "

والصفوف في الصلاة دليل على الانضباط، وأنه لا يشذ أحد عن الآخر، ودليل على الخضوع والوقوف في أدب بين يدي الله. إذن: فكما تصف الملائكة تصفون أنتم، ولكل صلاته وعبادته. فإذا ما سوينا الصفوف واستقمنا فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا زجر للشيطان لذلك قال: ﴿ والصافات صفا * فالزاجرات زجرا ﴾ [الصافات:1-2] ومعنى ﴿ فالتليت ذكرا ﴾ [الصافات: 3] أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله:

الحمد لله رب العالمين*الرحمن الرحيم *ملك يوم الدين

[الفاتحة: 2-4]. هذا هو القسم، فما المقسم عليه؟ المقسم عليه قوله سبحانه: ﴿ إن إلهكم لواحد ﴾ [الصافات: 4] وهذه العبارة مع أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكدها أولا ب إن ثم أكدها باللام في لواحد، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ليس له ثان مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو سبحانه في ذاته أحد.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٢٦