ونقول: أنتم بسلطان العلم علمتم ما في الأرحام بعد أن تكون ووضحت معالمه، واكتملت خلقته، أما الخالق - عز وجل - فيعلم ما في الأرحام قبل أن تحمل الأم به، ألم يبشر الله تعالى نبيه زكريا عليه السلام بولده يحيى قبل أن تحمل فيه أمه؟ ونحن لا نعلم هذا الغيب بذواتنا، إنما بما علمنا الله، فالطبيب الذي يخبرك بنوع الجنين لا يعلم الغيب، إنما معلم غيب. والله - تبارك وتعالى - يكشف لبعض الخلق بعض الغيبيات، ومن ذلك ما كان من الصديق أبي بكر - رضي الله عنه - حين أوصى ابنته عائشة - رضي الله عنها - قبل أن يموت وقال لها: يا عائشة إنما هما أخواك وأختاك، فتعجبت عائشة حيث لم يكن لها من الإخوة سوى محمد وعبد الرحمن، ومن الأخوات أسماء، لكن كان الصديق في هذا الوقت متزوجا من بنت خارجة، وكانت حاملا وبعد موته ولدت له بنتا، فهل تقول: إن الصديق كان يعلم الغيب؟ لا، إنما أعلم من الله. إذن: الممنوع هنا العلم الذاتي أن تعلم بذاتك. ثم إن الطبيب يعلم الآن نوع الجنين، إما من صورة الأشعة أو التحاليل الي يجريها على عينة من الجنين، وهذا لا يعتبر علما للغيب، و الشطارة أن تجلس المرأة الحامل أمامك وتقول لها: أنت إن شاء الله ستلدين كذا أو كذا، وهذا لا يحدث أبدا. ثم يقول سبحانه: ﴿ وما تدري نفس ماذا تكسب غدا.. ﴾ [لقمان: 34] الإنسان يعمل، إما لدنياه، وإما لأخراه، فالمعنى إما تكسب من الخير المادي لذاتك لتعيش، وإن كان من مسألة التكليف، فالنفس إما تعمل الخير أو الشر، الحسنة أو السيئة، والإنسان في حياته عرضة للتغير. لذلك يقال في الأثر:
" يا ابن آدم، لا تسألني عن رزق غد، كما لم أطالبك بعمل غد ".
وقوله تعالى: ﴿ وما تدري نفس بأي أرض تموت.. ﴾ [لقمان: 34] وهذه المسألة حدث فيها إشكال
" لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الأنصار أنه سيموت بالمدينة حينما وزع الغنائم على الناس جميعا ما عدا الأنصار لذلك غضبوا ووجدوا في أنفسهم شيئا لأن رسول الله حرمهم، لكن سيدنا رسول الله جمعهم وتلطف معهم في الحديث واعترف لهم بالفضل فقال: والله لو قلتم أني جئت مطرودا فآويتموني فأنتم صادقون، وفقيرا فأغنيتموني فأنتم صادقون.. لكن الأ تحبون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله "
، وقال في مناسبة أخرى
" المحيا محياكم، والممات مماتكم ".
إذن: نبئ رسول الله أنه سيموت بالمدينة، والله يقول: ﴿ وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت.. ﴾ [لقمان: 34] نقول: الأرض منها عام ومنها خاص، فأرض المدينة شيء عام، نعم سيموت بالمدينة، لكن في أي بقعة منها، وفي أي حجرة من حجرات زوجاته، إذن: إذا علمت الأرض العامة، فإن الأرض الخاصة ما زالت مجهولة لا يعلمها أحد. يروى أن أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي كان يحب الحياة ويحرص عليها، ويخاف الموت، وكان يستشير في ذلك المنجمين والعرافين، فأراد الله أن يقطع عليه هذه المسألة، فأراه في المنام أن يدا تخرج من البحر وتمتد إليه، وهي مفرجة الأصابع هكذا، فأمر بإحضار من يعبر له هذه الرؤيا، فكان المتفائل منهم، أو الذي يبغى نفاقه يقول له: هي خمس سنوات وآخرون قالوا: خمسة أشهر، أو خمسة أيام أو دقائق. إلى أن انتهى الأمر عند أبي حنيفة رضي الله عنه فقال له: إنما يريد الله أن يقول لك: هي خمسة لا يعلمها إلا الله، وهي: ﴿ إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت.. ﴾ [لقمان: 34]. وما دامت هذه المسائل كلها مجهولة لا يعلمها أحد، فمن المناسب أن يكون ختام الآية ﴿ إن الله عليم خبير ﴾ [لقمان: 34]. إذن: الحق سبحانه يريد أن يريح خلقه من الفكر في هذه المسائل الخمس، وكل ما يجب أن نعلمه أن المقادير تجري بأمر الله لحكمة أرادها الله، وأنها إلى أجل مسمى، وأن العلم بها لا يقدم ولا يؤخر، بالله ماذا يحدث لو علمت ميعاد موتك؟ لا شيء أكثر من أنك ستعيش نكدا حزينا طوال الوقت لا تجد للحياة لذة. لذلك أخفى الله عنا هذه المسألة لنقبل على الله بثقتنا في مجريات قدر الله فينا.