تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم يقول سبحانه: ﴿ إن وعد الله حق.. ﴾ [لقمان: 33] عرفنا أن الوعد: إخبار بشيء يسر لم يأت وقته، وضده الوعيد، وهو إخبار بشيء يؤذي لم يأت وقته بعد، لكن ما فائدة كل منهما؟ فائدة الوعد أن تستعد له، وتأخذ في أسبابه، فهو يشجعك على العمل والسعي الذي يحقق لك هذا الوعد كأن تعد ولدك مثلا بجائزة إن نجح في الامتحان، وعلى العكس من ذلك الوعيد لأنه يخوفك من عاقبته فتحترس، وتأخذ بأسباب النجاة منه. إذن: الوعد حق، وكذلك الوعيد حق، لكنه خص الوعد لأنه يجلب للنفس ما تحب، أما الوعيد فقد يمنعها من شهوة تحبها، ووضحنا هذه المسألة بأن الحق - سبحانه وتعالى - يتكلم في النعم أن منها نعم إيجاب، ونعم سلب. واقرأ في ذلك قول ربك:

يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأي آلاء ربكما تكذبان

[الرحمن: 35-36]. فإذا كانت الجنة وما فيها نعما تستحق الشكر، ويمتن الله بها علينا، فأي نعمة في الشواظ والنار والعذاب؟ قالوا: هي نعمة من حيث هي تحذير وتخويف من العذاب لتبتعد عن أسبابه، وتنجو منه قبل أن تقع فيه، نعمة لأن الله لم يأخذنا على غرة، ونبهنا إلى الخطر قبل أن نقع فيه. ووعد الله حق لأنه وعد ممن يملك الوفاء بما وعد، وإنفاذ ما وعد به، أما غير الله سبحانه فلا يملك أسباب الوفاء، فوعده لا يوصف بأنه حق لذلك قال سبحانه في سورة الكهف:

ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله..

[الكهف: 23-24]. فأنت وإن كنت صادقا فيما وعدت به إلا أنك لا تضمن البقاء إلى أن تفي بما وعدت، فإن بقيت فقد تتغير الأسباب فتحول بينك وبين الوفاء، وأنت لا تملك سببا واحدا من هذه الأسباب. إذن: تأدب ودع الأمر لمن يملك كل أسباب إنفاذ الوعد، وقل سأفعل كذا إن شاء الله، حتى إذا لم تنفذ يكون لك حجة فتقول: أردت لكن الله لم يشأ. وكأن ربنا - عز وجل - يريد أن يداري كذبنا ويستره علينا، يريد ألا يفضحنا به، وأخرجنا من هذه المسئولية بترك المشيئة له سبحانه، وكأن قدر الله في الأشياء صيانة لعبيده من عبيده. لذلك كثيرا ما نقول حينما لا نستطيع الوفاء: هذا قدر الله، وماذا أفعل أنا، والأمر لا يقضى في الأرض حتى يقضى في السماء. وما دمنا قد آمنا بقدر الله والحكمة منه، فلا تغضب مني إن لم أف لك وأنت كذلك، والعاقل يعلم تماما حين يقضي أمرا لأحد أن قضاء الأمر جاء معه لا به، فالقدر قضاء، ووافق قضاؤه قضاء الله للأمر، فكأن الله كرمه بأن يقضي الأمر على يديه، لذلك قلنا: إن الطبيب المؤمن يقول: جاء الشفاء معي لا بي، وأن الطبيب يعالج والله يشفي، إذن: لا يوصف الوعد بأنه حق إلا وعد الله عز وجل.

وما دام وعد الله حقا فعليك أن تفعل ما وعدك عليه بالخير وتجتنب ما توعدك عليه بشر، وألا تغرك الحياة ﴿ فلا تغرنكم الحياة الدنيا.. ﴾ [لقمان: 33] أي: بزينتها وزخرفها، فهي سراب خادع ليس وراءه شيء، واقرأ قول الله تعالى:

أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون

[المؤمنون: 115]. والحق سبحانه يضرب لنا مثلا للدنيا، لا لينفرنا منها، وإنما لنحتاط في الإقبال عليها، وإلا فحب الحياة أمر مطلوب من حيث هي مجال للعمل للآخرة ومضمار للتسابق إليها. يقول تعالى في هذا المثل:

واضرب لهم مثل الحياة الدنيا..

[الكهف: 45] فسماها دنيا، وليس هناك وصف أبلغ في تحقيرها من أنها دنيا

كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح..

[الكهف: 45] نعم، كذلك الدنيا تزدهي، لكن سرعان ما تزول، تبدأ ابتداء مقنعا مغريا، وتنتهي انتهاء مؤسفا. وقوله تعالى: ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ [لقمان: 33] والغرور بالفتح الذي يغرك في شيء ما، والغرور يوضحه لنا الشاعر الجاهلي وهو يخاطب محبوبته فيقول:

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٧٠