تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء..

[البقرة: 255] أي: شاء سبحانه أن يوجد هذا الغيب، وأن يظهر للناس بعد أن كان مطمورا، فإن صادف بحثا جاء مع البحث، وإن لم يصادف جاء مصادفة وبلا أسباب، بدليل أنه نسب إحاطة العلم لهم. أما الغيب الذي ليس له مقدمات توصل إليه، ولا يطلع عليه إلا الله فهو المعني بقوله تعالى:

عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول..

[الجن: 26-27]. وقال سبحانه: ﴿ ظاهرة وباطنة.. ﴾ [لقمان: 20] لأن الظاهرة تلفتنا إلى الإيمان بالله واجب الوجود الأعلى، والباطنة يدخرها الله لمن يأتي بعد، ثم يدخر ادخارا آخر، بحيث لا يظهر إلا حين نكون مع الله في جنة الله.

وقد حاول العلماء أن يعددوا النعم والآيات الظاهرة والباطنة، فالظاهرة ما يعطيه لنا في الدنيا ظاهرا، والباطنة ما أخبرنا الله بها، فمثلا حين تريد الجهاد في سبيل الله تعد لذلك عدته من سلاح وجنود.. الخ وتأخذ بالأسباب، فيؤيدك الله بجنود من عنده لم تروها، كما قال سبحانه:

إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم..

[الأنفال: 12]. والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا ببعض هذه النعم الباطنة، فيقول:

" للمؤمن ثلاثة هي له وليست له - يعني ليست من عمله - أما الأولى: أن المؤمنين يصلون عليه، وأما الثانية فجعل الله له ثلث ماله يوصي به - يعني: لا يتركه للورثة إنما يتصرف هو فيه، وكان المنطق أن تستفيد بما لك وأنت حي، فإذا ما انتهيت فليس لك منه شيء وينتقل إلى الورثة يوزعه الله تعالى بينهم بالميراث الذي شرعه، فمن النعم أن يباح لك التصرف في ثلث ما لك توصي به لتكفر به عن سيئاتك وتطهر به ذنوبك - أما الثالثة: أن الله تعالى ستر مساويك عن خلقه، ولو فضحك بها لنبذك أهلك وأحبابك وأقرباؤك ".

إن من أعظم النعم علينا أن يحجب الله الغيب عن خلق الله، ولو خيرت أي إنسان: أتحب أن تعرف غيب الناس ويعرفوا غيبك؟ فلا شك في أنه لن يرضى بذلك أبدا. والنبي صلى الله عليه وسلم يوضح هذه المسألة في قوله:

" لو تكاشفتم ما تدافنتم "

يعني: لو ظهر المستور من غيب الإنسان، واطلع الناس على ما في قلبه لتركوه إن مات لا يدفنونه، ولقالوا دعوه للكلاب تأكله، جزاء له على ما فعل. لكن لما ستر الله غيوب الناس وجدنا حتى عدو الإنسان يسرع بحمله ودفنه، كما قال القائل: محا الموت أسباب العداوة بيننا. لكن من غباء الإنسان أن ينبش عن عيوب الآخرين، وأن يتتبع عوراتهم، فهل ترضى أن يعاملك الناس بالمثل، فيتتبعون عوراتك، ويبحثون عن عيوبك؟ ثم إن سيئة واحدة يعرفها الناس عنك كفيلة بأن تزهدهم في كل حسناتك، والله تعالى يريد أن ينتفع الناس بعضهم ببعض ليثرى حركة الحياة. ثم يقول تعالى: ﴿ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ﴾ [لقمان: 20]. المجادلة: الحوار في أمر، لكل طرف فيه جنود، وكل منهم لا يؤمن برأي الآخر، والجدل لا يكون إلا في سبيل الوصول إلى الحقيقة، ويسمونه الجدل الحتمي، وهذا يكون موضوعيا لا لدد فيه، ويعتمد على العلم والهدى والكتاب المنير، وفيه نقابل الرأي بالرأي ليثمر الجدال. ومن ذلك قوله تعالى:

ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن..

[العنكبوت: 46] أما الجدل الذي يريد فيه كل طرف أن يعلي رأيه ولو بالباطل فهو مماراة وسفسطة لا توصل إلى شيء.

والجدل مأخوذ من الجدل أي الفتل، والشيء حين يفتل على مثله يقويه، كذلك الرأي في الجدل يقوي الرأي الآخر، فإذا ما انتهيا إلى الصواب تكاتفا على إظهاره وتقويته، فالجدل المراد به تقوية الحق وإظهاره. فإن كان الجدل غير ذلك فهو مماراة يحرص فيها كل طرف على أن يعلي رأيه ولو بالباطل. والحق سبحانه يبين لنا أن من الناس من ألف الجدل في الله على غير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فيقولون مثلا في جدالهم: أللكون إله موجود؟ وإن كان موجودا، أهو واحد أم متعدد؟ وإن كان موجودا أيعلم الجزئيات أم الكليات؟ أيزاول ملكه كل وقت؟ أم أنه خلق القوانين، ثم تركها تعمل في الكون وتسيره؟ كأن الله تعالى زاول سلطانه في الملك مرة واحدة. ومعلوم أن الله تعالى قيوم أي: قائم على أمر الخلق كله في كل وقت، والدليل على ذلك هذه المعجزات التي خرقت النواميس لتدل على صدق الرسل في البلاغ عن الله، كما عرفنا في قصة إحراق إبراهيم - عليه السلام - فلو أن المسألة إنجاء إبراهيم من النار لما مكنهم الله منه، أو مكنهم منه ومن إلقائه في النار، ثم أرسل على النار سحابة تطفئها. لكن أراد سبحانه أن يشعلوا النار، وأن يلقوا بإبراهيم فيها، ومع ذلك يخرج منها سالما ليروا بأعينهم هذه المعجزة الخارقة لقانون النار ليكبتهم الله، ولا يعطيهم الفرصة ليخدعوا الناس، ولو أفلت إبراهيم من قبضتهم لوجدوا هذه الفرصة ولقالوا: لو أمسكنا به لفعلنا به كذا وكذا. ومعنى ﴿ بغير علم.. ﴾ [لقمان: 20] العلم أن تعرف قضية وتجزم بها، وهي واقعة وتستطيع أن تدلل عليها، فإن كانت القضية التي تؤمن بها غير واقعة، فهذا هو الجهل، فالجاهل لا يوضع في مقابل العالم لأن الجاهل لديه علم بقضية لكنها باطلة، وهذا يتعبك في الإقناع لأنه ليس خالي الذهن، فيحتاج أولا لأن تخرج من ذهنه القضية الباطلة وتحل محلها القضية الصحيحة، أما الأمي فهو خالي الذهن من أي قضية. فإن كانت القضية التي تجزم بها واقعة لكن لا تستطيع أن تدلل عليها، كالولد الصغير الذي علمناه أن الله أحد واستقرت في ذهنه هذه المسألة لأن أباه أو معلمه لقنه هذه القضية حتى أصبحت عقيدة عنده، فالذي يدلل عليها من لقنها له إلى أن يكبر، ويستطيع هو أن يدلل عليها. والعلم أنواع، منها وأولها: العلم البدهي الذي نصل إليه بالبديهة دون بحث، فمثلا حين نرى الإنسان يتنفس نعلم أنه حي بالبديهة، ونعلم أن الواحد نصف الاثنين، وأن السماء فوقنا، والأرض تحتنا.. الخ. وإذا نظرت إلى معلومات الأرض كلها تجد أن أم هذه المعلومات البديهة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٤٥