تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمعنى أسبغ علينا النعمة: أتمها إتماما يستوعب كل حركة حياتكم، ويمدكم دائما بمقومات هذه الحياة بحيث لا ينقصكم شيء، لا في استبقاء الحياة، ولا في استبقاء النوع لأن الذي خلق سبحانه يعلم كل ما يحتاجه المخلوق. أما إذا رأيت قصورا في ناحية، فالقصور من ناحية الخلق في أنهم لم يستنبطوا من معطيات الكون، أو استنبطوا خيرات الكون، لكن بخلوا بها وضنوا على غيرهم، وهذه هي آفة العالم في العصر الحديث، حيث تجد قوما قعدوا وتكاسلوا عن البحث وعن الاستنباط، وآخرين جدوا، لكنهم بخلوا بثمرات جدهم، وربما فاضت عندهم الخيرات حتى ألقوها في البحر، وأتلفوها في الوقت الذي يموت فيه آخرون جوعا وفقرا. إذن: فآفة العالم ليس في أنه لا يجد، إنما في أنه لا يحسن استغلال ما يجد من خيرات، ومن مقومات لله تعالى في كونه. فقوله تعالى: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة.. ﴾ [لقمان: 20] هذه حقيقة لا ينكرها أحد، فهل تنكرون أنه خلقكم، وخلق لكم من أنفسكم أزواجا منها تتناسلون؟ هل تنكرون أنه خلق السماوات بما فيها من الكواكب والمجرات، وخلق الليل فيه منامكم، والنهار وفيه سعيكم على معايشكم؟ ثم في أنفسكم وما خلقه فيكم من الحواس الظاهرة وغير الظاهرة، وجعل لكل منها مجالا ومهمة تؤديها دون أن تشعر أنت بما أودعه الله في جسمك من الآيات والمعجزات، وكل يوم يطلع علينا العلم بجديد من نعم الله علينا في أنفسنا وفي الكون من حولنا. فمعنى ﴿ ظاهرة.. ﴾ [لقمان: 20] أي: التي ظهرت لنا: ﴿ وباطنة.. ﴾ [لقمان: 20] لم نصل إليها بعد، ومن نعم الله علينا ما ندركه، ومنها ما لا ندركه. تأمل في نفسك مثلا الكليتين وكيف تعمل بداخلك وتصفي الدم من البولينا، فتنقيه وأنت لا تشعر بها، وأول ما فكر العلماء في عمل بديل لها حال فشلها صمموا جهازا يملأ حجرة كبيرة، كانت نصف هذا المسجد من المعدات لتعمل عمل الكليتين، ثم تبين لهم أن الكلية عبارة عن مليون خلية لا يعمل منها إلا مائة بالتناوب. وقالوا: إن الفشل الكلوي عبارة عن عدم تنبه المائة خلية المناط بها العمل في الوقت المناسب يعني المائة الأولى أدت مهمتها وتوقفت دون أن تتنبه المائة الأخرى، ومن هندسة الجسم البشري أن خلق الله للإنسان كليتين، حتى إذا تعطلت إحداهما قامت الأخرى بدورها. أما النعم الباطنة فمنه ما يكتشف في مستقبل الأيام من آيات ونعم، فمنذ عدة سنوات أو عدة قرون لم نكن نعرف شيئا عن الكهرباء مثلا، ولا عن السيارات وآلات النقل وعصر العجلة والبخار.

. إلخ. كلها نعم ظاهرة لنا الآن، وكانت مستورة قبل ذلك أظهرها النشاط العلمي والبحث والاستنباط من معطيات الكون، وحين تحسب ما أظهره العلم من نعم الله تجده حوالي 3% ونسبة 97% عرفها الإنسان بالصدفة. وقلنا: إن أسرار الله ونعمه في كونه لا تتناهى، وليس لأحد أن يقول: إن ما وضعه الله في الأرض من آيات وأسرار أدى مهمته لأنه باق ببقاء الحياة الدنيا، ولا يتوقف إلا إذا تحقق قوله تعالى:

حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس..

[يونس: 24]. وفي الآخرة سنرى من آيات الله ومن عجائب مخلوقاته شيئا آخر، وكأن الحق تعالى يقول لنا: لقد رأيتم آياتي في الدنيا واستوعبتموها، فتعالوا لأريكم الآيات الكبرى التي أعددتها لكم في الآخرة. ففي الآخرة سأنشئكم نشأة أخرى، بحيث تأكلون ولا تتغوطون ولا تتألمون، وتمر عليكم الأعوام ولا تشيبون، ولا تمرضون، ولا تموتون، لقد كنتم في الدنيا تعيشون بأسبابي، أما في الآخرة فأنتم معي مع المسبب سبحانه، فلا حاجة لكم للأسباب، لا لشمس ولا لقمر ولا.. إلخ. لذلك نقول: من أدب العلماء أن يقولوا اكتشفنا لا اخترعنا لأن آيات الله ونعمه مطمورة في كونه تحتاج لمن ينقب عنها ويستنتجها مما جعله الله في كونه من معطيات ومقدمات. وسبق أن قلنا: إن كل سر من أسرار الله في كونه له ميلاد كميلاد الإنسان، فإذا حان وقته أظهره الله، إما ببحث العلماء وإلا جاء مصادفة تكرما من الله تعالى على خلقه الذين قصرت جهودهم عن الوصول إلى أسراره تعالى في كونه. وفي هذا إشارة مقدمة لن نؤمن بالغيب الذي أخبرنا الله به، فما دمنا قد رأينا نعمه التي كانت مطمورة في كونه فينبغي علينا أن نؤمن بما يخبرنا به من الغيب، وأن نأخذ من المشاهد دليلا على ما غاب. واقرأ في هذه المسألة قول الله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٤٤