تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم..

[النور: 61]. فالله تعالى رفع عنا الحرج أن نأكل من هذه البيوت، ونلحظ أن الآية ذكرت الأقارب عدا الأبناء، وكان الترتيب المنطقي أن يقول بعد أمهاتكم: أو بيوت أبنائكم، فلماذا لم يذكر هنا بيوت الأبناء؟ قالوا: لأنها داخلة في قوله: بيوتكم، فبيت الابن هو بيت الأب، والولد وما ملكت يداه ملك لأبيه. ثم يقول لقمان لولده: ﴿ واصبر على مآ أصابك.. ﴾ [لقمان: 17] الصبر: حمل النفس على التجلد للأحداث، حتى لا تعين الأحداث على نفسك بالجزع، فأنت أمام الأحداث تحتاج إلى قوة مضاعفة، فكيف تضعف نفسك أمامها؟ والمصيبة تقع إما لك فيها غريم، أو ليس لك فيها غريم، فالذي يسقط مثلا، فتنكسر ساقه، أو الذي يفاجئه المرض.. الخ هذه أقدار ساقها الله إليك بلا سبب فلا غريم لك فيها لذلك يجعلها في ميزانك: إما أن يعلي بها درجاتك، وإما أن يكفر بها سيئاتك لذلك كان الكفار يفرحون إذا أصاب المسلمين مصيبة، كما فرحوا يوم أحد، وقد رد الله عليهم وبين غباءهم، وقال سبحانه:

قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا..

[التوبة: 51] وتأمل الجار والمجرور لنا ولم يقل كتب علينا، إذن: فالمصيبة في حساب له لا عليه فلماذا تفرحون في المصيبة تقع بالمسلمين؟ وأوصى بالصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الذي يتعرض لهذين الأمرين لا بد أن يصيبه سوء من جراء أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، فإن تعرضت للإيذاء فاصبر لأن هذا الصبر يعطيك جزاء واسعا. وتغيير المنكر له مراحل وضحها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:

" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ".

فالله أمرك أن تغير المنكر، لكن جعل لك تقدير المسألة ومدى إمكانك فيها، فالدين يريدك مصلحا لكن لا يريد أن تلقى بنفسك إلى التهلكة، فلك أن تغير المنكر بيدك فتضرب وتمنع إذا كان لك ولاية على صاحب المنكر، كأن يكون ولدك أو أخاك.. إلخ. فلك أن تضربه مثلا إن رأيت سيجارة في فمه، أو أن تكسر له كأس الخمر إن شربها أو تمزق له مثلا ورق " الكوتشينة " ، فإن لم تكن لك هذه الاستطاعة فيكفي أن تغير بلسانك إن كانت لديك الكلمة الطيبة التي تداوي دون أن تجرح الآخرين، ودون أن يؤدي النصح إلى فتنة، فيكون ضرره أكثر من نفعه. فإن لم يكن في استطاعتك هذه أيضا، فليكن تغيير المنكر بالقلب، فإن رأيت منكرا لا تملك إلا أن تقول: اللهم إن هذا منكر لا يرضيك لكن أيعد عمل القلب تغييرا للمنكر وأنت مطالب بأن تغيره بيدك يعني: إلى ضده؟ وهل هذه الكلمة تغير من الواقع شيئا؟ قالوا: لا يحدث التغيير بالقلب إلا إذا كان القالب تابعا للقلب، فالقلب يشهد أن هذا منكر لا يرضي الله، والقالب يساند حتى لا تكون منافقا، فأنت أنكرت عليه الفعل، ولا استطاعة لك على أن تمنعه، ولا أن تنصحه، فلا أقل من أن تعزله عن حياتك وتقاطعه، وإلا فكيف تغير بقلبك إن أنكرت عليه فعله وأبقيت على وده ومعاملته؟ إذن: لا يكون التغيير بالقلب إلا إذا أحس صاحب المنكر أنه في عزلة، فلا تهنئه في فرح، ولا تعزيه في حزن، وإن كنت صاحب تجارة، فلا تبع له ولا تشتر منه.

. الخ. وما استشرى الباطل وتبجح أهل الفساد وأهل المنكر إلا لأن الناس يحترمونهم ويعاملونهم على هذه الحال، بل ربما زاد احترام الناس لهم خوفا من باطلهم ومن ظلمهم. فالتغيير بالقلب ليس كلمة تقال إنما فعل وموقف، وقد علمنا ربنا - تبارك وتعالى - هذه القضية في قوله سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٣٦