تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة..

[البقرة: 43]. وحين نستقرئ كلمة الزكاة في القرآن الكريم نجد أنها وردت اثنتين وثلاثين مرة، اثنتان منها ليستا في معنى زكاة المال المعروفة النماء العام إنما بمعنى التطهر، وذلك في قوله تعالى في قصة الخضر وموسى عليهما السلام:

أقتلت نفسا زكية بغير نفس..

[الكهف: 74]. ثم قوله تعالى:

فأردنآ أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما

[الكهف: 81]. والمعنى: طهرناهم حينما رفعنا عنهم بابا من أبواب الفتنة في دين الله. والموضع الآخر في قوله تعالى:

وحنانا من لدنا وزكاة..

[مريم: 13] فالمعنى: وهبنا لمريم شيئا نزكيها به ذلك لأن الزكاة أول ما تتعدى تتعدى من واجد لمعدم، ومريم لم تتزوج فهي معدمة في هذه الناحية لذلك وهبها الله النماء الخاص من ناحية أخرى حين نفخ فيها الروح من عنده تعالى. وفي موضع واحد، جاءت الزكاة بمعنى زكاة المال، لكن غير مقرونة بالصلاة، وذلك في قوله تعالى:

ومآ آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون

[الروم: 39]. وفي هذه الآية قال لقمان لولده: { يبني أقم الصلاة وأمر بالمعروف.

. } [لقمان: 17] ولم يقل: وآت الزكاة، فلماذا؟ ينبغي أن نشير إلى أن القرآن جمع بين الصلاة والزكاة لأن الصلاة فيها تضحية بالوقت، والوقت زمن العمل، والعمل وسيلة الكسب والمال، إذن ساعة تصلي فقد ضحيت بالوقت الذي هو أصل المال، فكأن في الصلاة تصدقت بمائة في المائة من المال المكتسب في هذا الوقت، أما في الزكاة فأنت تتصدق بالعشر، أو نصف العشر، أو ربع العشر، ويبقى لك معظم كسبك، فالواقع أن الزكاة في الصلاة أكبر وأبلغ من الزكاة نفسها. إذن: لما كانت الزكاة في كل منهما، قرن القرآن بينهما إلا في هذا الموضع، ولما تتأمله تجده من دقائق الأسلوب القرآني، فالقرآن يحكي هذه الوصايا عن لقمان لولده، ولنا فيه ملحظان: الأول: أن الله تعالى لم يكلف العبد إلا بعد سن البلوغ إلا في الصلاة، وجعل هذا التكليف موجها إلى الوالد أو ولي الأمر، فأنابه أن يكلف ولده بالصلاة، وأن يعاقبه إن أهمل في أدائها، ذلك ليربي عند ولده الدربة على الصلاة، بحيث يأتي سن التكليف، وقد ألفها الولد وتعود عليها، فهي عبادة تحتاج في البداية إلى مران وأخذ ورد، وهذا أنسب للسن المبكرة. والوالد يكلف ولده على اعتبار أنه الموجد الثاني له، والسبب المباشر في وجوده، وكأن الله تعالى يقول: أنا الموجد لكم جميعا وقد وكلتك في أن تكلف ولدك لأن معروفك ظاهر عنده، وأياديك عليه كثيرة، فأنت القائم بمصالحه الملبي لرغباته، فإن أمرته قبل منك وأطاعك، فهي طاعة بثمنها. وطالما وكلتك في التكليف فطبيعي أن أوكلك في العقوبة، فإن حدث تقصير في هذه المسألة فالمخالفة منك، لا من الولد لأنني لم أكلفه إنما كلفتك أنت. لذلك بدأ لقمان أوامره لولده بإقامة الصلاة، لأنه مكلف بهذا الأمر، فولده ما يزال صغيرا بدليل قوله ﴿ يبني.. ﴾ [لقمان: 17] فالتكليف هنا من الوالد، فإن كان الولد بالغا حال هذا الأمر فالمعنى: لاحظ التكليف من الله بإقامة الصلاة. أما الزكاة، وهي تكليف من الله أيضا فلم يذكرها هنا - وهذه من حكمة لقمان ودقة تعبيره، وقد حكاها لنا القرآن الكريم لنأخذ منها مبادئ نعيش بها. ثانيا: إن كلفه بالزكاة فقال: أقم الصلاة وآت الزكاة فقد أثبت لولده ملكية، ومعروف أن الولد لا ملكية له في وجود والده، بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

" أنت ومالك لأبيك "

وذكرنا أن لقمان لما علم بموت أبيه قال: إذن ملكت أمري فأمره ليس ملكا له في حياة أبيه لذلك لم يأمر ولده بالزكاة، فالزكاة في ذمته هو، لا في ذمة ولده. وتتأكد لدينا هذه المسألة حين نقرأ قول الله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٣٥