ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين
[المؤمنون: 14]. فالجنين كان خلقا تابعا لأمه في غذائه وفي تنفسه وحركته، لكن حينما جاء أمر الله وأذن بميلاده أنشأه خلقا آخر له مقومات حياة مستقلة غير متصل بأمه. ويقولون في هذه العملية القرن طش كما تنفجر البالونة إذا نفخت لدرجة أكثر مما تتحمل، ومن العجيب أن الرحم يتسع بقدرة الله لعدة توائم كما نرى ونسمع. ومن عظمة الخالق سبحانه في مسألة الرزق أن رزق الجنين يأتيه منفصلا عن رزق أمه، فلكل منهما رزق لا يأخذه الآخر، ومعلوم أن المرأة حين يقدر لها حمل ينقطع عنها الدم الذي كان ينزل بصفة دورية حال فراغ الرحم من الحمل، هذا الدم هو الذي جعله الله غذاء للجنين الجديد.
أما إذا لم يقدر لها حمل فإن جسمها يطرد هذا الدم ويتخلص منه ولا يستفيد به، لماذا؟ لأنه ليس غذاءها، وكأن الخالق - عز وجل - ينبهنا أن لكل منا رزقه الذي لا يتعداه إلى غيره. وأيضا من حكمته تعالى في وضع الجنين في بطن أمه عند الولادة أن ينزل برأسه، وهذا هو الوضع الطبيعي لولادة طفل سليم لأن أول ضروريات الحياة للطفل ساعة ينفصل عن أمه أن يتنفس، فإذا نزل برأسه - وهذا الوضع يحاول أطباء الولادة التأكد منه - استطاع التنفس حتى وإن تعسر نزول باقي جسمه، أما إن نزل الطفل بعكس هذا الوضع فإنه يختنق ويموت قبل أن يتم نزوله. ثم يقول سبحانه: ﴿ وفصاله في عامين.. ﴾ [لقمان: 14] الفصال: أي الانفصال عن الأم في مسألة الرضاعة، ومنه: يسمون ولد الناقة الذي استغنى عن لبنها: الفصيل أي الذي فصل عن أمه، وأصبح قادرا على أن يأكل، وأن يعيش دون مساعدتها، وحتى عملية فصال الولد عن أمه فيها مشقة وألم للأم. أما العملية الجنسية التي أثمرت الولد فكانت شركة بينهما، وبذلك لا بد أن نعترف أن للأم الدور الأكبر وعليها العبء الأكبر في مسألة الأولاد لذلك كان لها الحظ الأوفر في وصية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي سأله: من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، فأعطى كلا منهما على قدر ما قدم. ومسألة الفصال هذه شرحت في آيات أخرى، ففي سورة البقرة:
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة..
[البقرة: 233] وهذه تؤكد ﴿ وفصاله في عامين.. ﴾ [لقمان: 14] وفي آية أخرى تجمع الحمل والرضاعة معا:
وحمله وفصاله ثلاثون شهرا..
[الأحقاف: 15] وبخصم العامين من الثلاثين شهرا يكون الباقي ستة أشهر، وهي أقل مدة للحمل. وهذه المسألة اعتمد عليها الإمام علي - رضي الله عنه - حينما رأى عمر رضي الله عنه يريد أن يقيم الحد على امرأة ولدت لستة أشهر لأنه يعتقد أن مدة الحمل تسعة أشهر، فقال لعمر: يا أمير المؤمنين، الله يقول غير ذلك، فقال: وماذا يقول الله؟ فذكر علي الآيتين السابقتين:
وحمله وفصاله ثلاثون شهرا..
[الأحقاف: 15]. والأخرى: ﴿ وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ﴾ [لقمان: 14]. ثم بين له علي أن أقل مدة للحمل بناء على هاتين الآيتين ستة أشهر، فقال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن. وقوله تعالى: ﴿ أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ﴾ [لقمان: 14] فالله تعالى هو المستحق للشكر أولا لأنه سبحانه هو الذي أنشأ من عدم، وأمد من عدم، ثم الوالدان لأنهما السبب في الإيجاد وإنشاء الولد.
فكأن الحق سبحانه مسبب أعلى لأنه خلق من لا شيء، والوالدان سبب من أسباب الله في الوجود، إذن: لا تحسن شكر الله الخالق الأول والمسبب الأعلى حتى تحسن شكر الوالدين، وهما السبب الثاني في وجودك. فقوله سبحانه: ﴿ أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ﴾ [لقمان: 14] أي: على الإيجاد، لكن في موضع آخر:
وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا