وقوله من تتدرج من الصغير إلى الكبير فتدل على الشمول. ومن هذه الدواب ما أحله الله ومنها ما حرمه لذلك يقول البعض: ما دام الله حرم هذه الحيوانات، فما الضرورة في خلقها؟ وهل كل شيء مخلوق يؤكل؟ لا، ليس كل مخلوق من الحيوانات يؤكل لأن له مهمة أخرى يؤديها. ولو تأملت ما حرم عليك لوجدته يخدمك في ناحية أخرى، فمنه ما يمد الحيوانات التي تأكلها، ومنه ما فيه خاصية تحتاج إليها في غير الأكل، فالثعبان مثلا لا نرى فيه إلا أنه مخلوق ضار، لكن ألم نحتج إلى سمه الآن، ونجعله مصلا نافعا؟ ألسنا ننتفع بجلوده؟ الخ، فإذا كنا لا نأكله فنحن نستفيد من وجوده في نواح أخرى. كذلك الخنزير مثلا: البعض يقول: ما دام الله تعالى حرمه، فلماذا خلقه؟ سبحان الله، هل خلق الله كل شيء لتأكله أنت؟ ليس بالضرورة أن تأكل كل شيء، لأن الله جعل لك طعامك الذي يناسبك، أتأكل مثلا البترول؟ كيف ونحن نرى حتى السيارات والقطارات والطائرات لكل منها وقوده المناسب له، فالسيارة التي تعمل بالبنزين مثلا لا تعمل بالسولار.. الخ، فربك أعطاك قوتك كما أعطى لغيرك من المخلوقات أقواتها. لذلك إذا نظرت في غابة لم تمتد إليها يد الإنسان تجد فيها جميع الحيوانات والطيور والدواب والحشرات.. الخ دون أن تجد فيها رائحة كريهة أو منظرا منفرا، لماذا؟ لأن الحيوانات يحدث بينها وبين بعضها توازن بيئي، فالضعيف منها والمريض طعام للقوي، والخارج من حيوان طعام لحيوان آخر.. وهكذا، فهي محكومة بالغريزة لا بالعقل والاختيار. وكل شيء لا دخل للإنسان فيه يسير على أدق نظام فلا تجد فيه فسادا أبدا إلا إذا طالته يد البشر، ولك أن تذهب إلى إحدى الحدائق أو المتنزهات في شم النسيم مثلا لترى ما تتركه يد الإنسان في الطبيعة. لكن، لماذا وصف الإنسان بهذا الوصف؟ ولماذا قرن وجوده بالفساد؟ نقول: لأنه يتناول الأشياء بغير قانون خالقها، ولو تناول الأشياء بقانون الخالق عز وجل ما أحدث في الطبيعة هذا الفساد. وسبق أن بينا أن الإنسان لا قدرة له على شيء من مخلوقات الله إلا إذا ذللها الله له ويسرها لخدمته، بدليل أن الولد الصغير يركب الفيل ويسحب الجمل وينيخه ويحمله الأثقال في حين لا قدرة لأحدنا على ثعبان صغير، أو حتى برغوث، لماذا؟ لأن الله تعالى ذلل لنا هذا، ولم يذلل لنا هذا.
ثم يقول تعالى: ﴿ وأنزلنا من السمآء مآء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ﴾ [لقمان: 10] من السماء: أي من جهة العلو ومن ناحية السماء، وإلا فالمطر لا ينزل من السماء، إنما من الغمام ﴿ فأنبتنا فيها.. ﴾ [لقمان: 10] أي: في الأرض: ﴿ من كل زوج كريم ﴾ [لقمان: 10] زوج أي: نوع من النبات، فهي كلمة تدل على مفرد، لكن معه مثله، والبعض يظن أنها تعني اثنين وهذا خطأ لذلك نقول عن الرجل زوج، وعن المرأة زوج رغم أنه مفرد، لكن قرن بغيره. وقال تعالى عن التكاثر:
ومن كل شيء خلقنا زوجين..
[الذاريات: 49] فسمي الذكر زوج وسمي الأنثى زوج. ومثلها كلمة توأم فهي تدل على مفرد، لكن مفرد لم يولد وحده إنما معه غيره، والبعض يقول توأم ويقصد الاثنين، إنما الصواب أن نقول هما توأمان. ووصف الحق سبحانه الزوج أي النوع من النبات بأنه ﴿ كريم ﴾ [لقمان: 10] لأنه يعطيك بكرم وسخاء، فالحبة تعطيك سبعمائة حبة، وهذا عطاء المخلوق لله، فما بالك بعطاء الخالق عز وجل؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من... ﴾.