تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الأرض مثلهن

[الطلاق: 12] فدل على أن الأرض سبع كالسماء، وإن كانت السماء كل ما أظلك، فالأرض كل ما أقلك، لكن أين هذه الأرضين السبع؟ لقد أخبرنا القرآن الكريم أن السماوات سبع، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بها في مرحلة المعراج فقال في الأولى كذا وكذا، وفي الثانية كذا وكذا، وما دامت السماء كل ما أظلك، والأرض كل ما أقلك فالخلق في السماء الأولى مثلا سماؤهم السماء الثانية، وأرضهم سماؤنا الأولى، وهكذا وهكذا. ثم يقول سبحانه: ﴿ وألقى في الأرض رواسي ﴾ [لقمان: 10] أي: الجبال الراسية الثابتة المتصلة بالأرض اتصالا وثيقا بحيث لا تتخلخل منها، والعلة في خلق الجبال الرواسي على الأرض ﴿ أن تميد بكم ﴾ [لقمان: 10] أي: تميل وتضطرب بكم، ولو أن الأرض مخلوقة على هيئة الثبات لما احتاجت إلى ما يثبتها. إذن: فالأرض متحركة، وما خلقت الجبال إلا لتثبيتها وضبط حركتها، فدلت هذه الآية على صدق النظرية القائلة بدوران الأرض، كذلك في قوله تعالى:

وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب

[النمل: 88]. إذن: فللجبال حركة مرتبطة بحركة الأرض، فإن قلت: ولماذا لا نراها؟ نقول: لأن وحدة المكان تجعلك لا تدرك هذه الحركة، فالمتحد في مكان لا تختلف مرائي الأشياء بالنسبة له. فلو تصورنا أن هذا المسجد الذي يجمعنا صمم على هيئة رحى تدور بنا، فهل نشعر بدورانه ونحن ندور بدورانه؟ لا نشعر، لماذا؟ لأن مواقعنا من بعض ثابتة لا تتغير، كذلك موقعنا من المكان لذلك لا نشعر بالحركة لكن نشعر بالحركة حين نقيس متحركا بثابت، فلو فتحنا الباب مثلا أو الشباك ورأينا ما هو خارج المسجد، عندها نشعر أننا نتحرك. إذن: لا يمكن لمن على الأرض أن يشعر بحركتها لأنه يتحرك معها، وما دامت الجبال أوتادا في الأرض وهي - أي الجبال - تمر مر السحاب فلا بد أن الأرض كذلك تمر وتتحرك بنفس الحركة، وحركة الجبال ليست ذاتية، إنما هي تابعة لحركة الأرض، والحق سبحانه شبه حركة الجبال بحركة السحاب، والسحاب حركته غير ذاتية، إنما هي تابعة لحركة الرياح.

ثم يذكر الحق سبحانه علة أخرى لخلق الجبال: ﴿ وبث فيها من كل دآبة ﴾ [لقمان: 10] وسبق أن أوضحنا أن الجبال تمثل مخازن للقوت الذي به قوام الحياة للإنسان وللحيوان والذي ينشأ من الزرع، وبينا أن الطبقة الخارجية للجبال تتفتت بعوامل التعرية، ثم يحملها ماء المطر إلى الوديان فتزيد من خصوبة الأرض بمقدار كل عام، ومن الجبال أيضا يتكون الماء في الأنهار او في مسارب الأرض فنخرجه حين الحاجة إليه. ومن حكمته تعالى أن جعل الجبال راسية ثابتة، وجعلها صلدة وإلا لو كانت هشة لأذابتها الأمطار وفتتها في عدة سنوات، ثم حرمت الأرض من الخصوبة التي تستمدها من الجبال لذلك يقول الله تعالى:

وما ننزله إلا بقدر معلوم

[الحجر: 21] فمع زيادة السكان تزداد المساحة الخصبة التي يكونها الغرين الذي يتفتت من الجبال عاما بعد عام. واقرأ إن شئت قوله تعالى:

قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها..

[فصلت: 9-10]. فالجبال جعلها الله راسية حتى لا تضطرب بنا الأرض، وجعلها صلبة لأنها مخزن الخصب الذي يمدنا بالزرع الذي به قوام حياتنا. ومن رحمة الله بالإنسان أن جعل فيه ذاتية استبقاء الحياة، فإن منع عنه الطعام أو الشراب تغذى من المخزون في جسمه فيأخذ أولا من الدهن، ثم من اللحم، ثم من العظم لذلك قلنا: إن العظم هو آخر مخازن القوت في جسم الإنسان، وفي ضوء ذلك نفهم قول سيدنا زكريا:

إني وهن العظم مني

[مريم: 4]. يعني: قد بلغت آخر مرحلة من مراحل استبقاء الحياة. فكان من رحمة الله بالخلق أن جعل حتى شره الإنسان للطعام والشراب رحمة به، حيث يتحول الزائد عن طاقته وحاجته إلى مخزون في جسمه، فإذا انقطعت به السبل أو تعذر عليه الطعام والشراب استمد مما في جسمه. كذلك من رحمة الله بالإنسان أن جعله يصبر على الطعام إلى شهر، ويصبر على الماء من ثلاثة أيام إلى عشرة بحسب ما في جسمه من مخزون الطعام والشراب، أما الهواء فلا يصبر عليه إلا بمقدار شهيق وزفير لذلك تتجلى رحمته تعالى وحكمته في خلقه بألا يملك الهواء لأحد، فلو ملكه عدوك لمت قبل أن يرضى عنك. وقوله: ﴿ وبث فيها من كل دآبة ﴾ [لقمان: 10] بث أي: نشر، والدابة: كل ما له دبيب على الأرض، والدبيب بحسب ما يدب على الأرض، وكل ما يمشي على الأرض له دبيب نسمعه في الحيوان الضخم مثلا، لكن لا نسمعه في النملة مثلا، فهي أيضا لها دبيب بدليل قولنا: فلان يسمع دبة النملة، إذن: لها دبيب على الأرض، لكن أذن من التي تستطيع أن تسمعه؟ وقوله تعالى: ﴿ من كل دآبة ﴾ [لقمان: 10] كل تعني سورا كليا يضم كل ما له حركة ودبيب على الأرض، يعني: كل ما يقال له دابة بداية من النملة أو الفيروسات الآن إلى أكبر حيوان على الأرض.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥١٧