إذن: لا تقل الغناء لكن قل النص نفسه: إن حث على فضيلة فهو حلال، وإن أهاج الغرائز فهو حرام وباطل، كالذي يشبب بالمرأة ويذكر مفاتنها، فهذا حرام حتى في غير الغناء، فإذا ما أضفت إليه الموسيقى والألحان والتكسر والميوعة ازدادت حرمته وتضاعف إثمه. أما ما نراه الآن وما نسمعه مما يسمونه غناء، وما يصاحبه من حركات ورقصات وخلاعات وموسيقى صاخبة، فلا شك في حرمته. فكل ما يخرج الإنسان عن وقاره ورزانته وكل ما يجرح المشاعر المهذبة فهو حرام، ثم إن الغناء صوت فإن خرج عن الصوت إلى أداء آخر مهيج، تستعمل فيه الأيدي والأرجل والعينان والوسط.. الخ فهذا كله باطل ومحرم. ولا ينبغي للمؤمن الذي يملك زمام نفسه أن يقول: إنهم يفرضون ذلك علينا، فالمؤمن له بصيرة يهتدي بها، ويميز بين الغث والسمين، والحق والباطل، فكن أنت حكما على ما ترى وما تسمع، بل ما يرى وما يسمع أهلك وأولادك، وبيدك أنت الزمام إن شئت سمعت، وإن شئت أغلقت الجهاز، فلا حجة لك لأن أحدا لا يستطيع أن يجبرك على سماع أو رؤية ما تكره. ففي رمضان مثلا، وهو شهر للعبادة نصوم يومه، ونقوم ليله، وينبغي أن نكرمه، ونحتفظ فيه بالوقار والروحانية، ومع ذلك يخرجون علينا بألوان اللهو الذي يتنافى والصيام، فإن سألتهم قالوا: الناس مختلفو الأمزجة، وواجبنا أن نوفر لهم أمزجتهم، لكن للمؤمن ولاية على نفسه وهو يملك زمامها، فلا داعي أن تتهم أحدا ما دام الأمر في يدك، وعليك أن تنفذ الولاية التي ولاك الله، فإن فعلت ففي يدك خمسة وتسعون بالمائة من حركة الحياة، ولغيرك الخمسة الباقية. ثم إن ما يحل من الغناء مشروط بوقت لا يكون سمة عامة ولا عادة ملحة على الإنسان يجعلها ديدنه لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" روحوا القلوب ساعة بعد ساعة ".
وهؤلاء المغنون والمغنيات الذين يدخلون في الغناء ما ليس منه من الحركات والرقصات لا يدرون أنهم يثيرون الغرائز، ويستعدون على الشباب غير القادر على الزواج، ويلهبون مشاعر الناس ويثيرون الغيرة.
. الخ. إذن: القضية واضحة لا تحتاج منا إلى فلسفة حول حكم الغناء أو الموسيقى، فكل ما يثير الغرائز، ويخرجك عن سمت الاعتدال والوقار فهو باطل وحرام، سواء أكان نصا بلا لحن، أو لحنا بدون أداء، أو أداء مصحوبا بما لا دخل له بالغناء. لكن، لماذا يكلفون أنفسهم ويشترون لهو الحديث؟ العلة كما قال الحق سبحانه: ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ [لقمان: 6] وفرق بين من يشتري اللهو لنفسه يتسلى به، ويقصر ضلاله على نفسه وبين من يقصد أن يضل ويضل غيره لذلك فعليه تبعة الضلالين: ضلالة في نفسه، وإضلاله لغيره. وقوله: ﴿ لهو الحديث ﴾ [لقمان: 6] لا يقتصر على الغناء والكلام، إنما يشمل الفعل أيضا، وربما كان الفعل أغلب. وقوله تعالى: ﴿ بغير علم ﴾ [لقمان: 6] يدل على عدم معرفتهم حتى بأصول التجارة في البيع والشراء، فالتاجر الحق هو الذي يشتري السلعة، بحيث يكون نفعها أكثر من ثمنها، أما هؤلاء فيشترون الضلال لذلك يقول الحق عنهم:
فما ربحت تجارتهم
[البقرة: 16]. والسبيل: هو الطريق الموصل إلى الخير من أقصر طريق، وهو الصراط المستقيم الذي قال الله تعالى عنه
اهدنا الصراط المستقيم
[الفاتحة: 6] لذلك نقول في علم الهندسة: المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين. وقوله: ﴿ ويتخذها هزوا ﴾ [لقمان: 6] أي: السبيل لأن السبيل تذكر وتؤنث، تذكر باعتبار الطريق، كقوله تعالى:
وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا
[الأعراف: 146]. وتؤنث على اعتبار الشرعة، كقوله تعالى:
قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة
[يوسف: 108]. هؤلاء الذين يشترون الضلال لإضلال الناس لا يكتفون بذلك، إنما يسخرون من أهل الصلاح، ويهزأون من أصحاب الطريق المستقيم والنهج القويم، ويسفهون رأيهم وأفعالهم. ثم يذكر الحق سبحانه عاقبة هذا كله: ﴿ أولئك لهم عذاب مهين ﴾ [لقمان: 6] أولئك: أي الذين سبق الحديث عنهم، وهم أهل الضلال ﴿ لهم عذاب مهين ﴾ [لقمان: 6] ووصف العذاب هنا بالمهانة دليل على أن من العذاب ما ليس مهينا، بل ربما كان تكريما لمن وقع عليه كالرجل الذي يضرب ولده ليعلمه ويربيه، فهو يضربه لا ليعذبه ويؤلمه ويهينه، إنما لكي لا يعود إلى الخطأ مرة أخرى. على حد قول الشاعر: