[الشورى: 23]. فأي حمق هذا الذي يوصفون به؟ وكلمة اللهو: ذكر القرآن اللهو وذكر اللعب في عدة آيات، قدمت اللعب على اللهو في قوله تعالى:
وما الحياة الدنيآ إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون
[الأنعام: 32]. وفي قوله تعالى:
اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو
[الحديد: 20]. وقدمت اللهو في قوله تعالى:
وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب
[العنكبوت: 64]. فقدمت الآيات اللعب في آيتين لأن اللعب أن تصنع حركة غير مقصودة لمصلحة، كما يلعب الأطفال، يعني: حركة لا هدف لها، ونقول عنها لعب عيال وسميت لعبا لأن الطفل يلعب قبل أن يكلف بشيء، فلم يشغل باللعب عن غيره من المهمات. لكن إذا انتقل إلى مرحلة التكليف، فإن اللعب يشغله عن شيء طلب منه، ويسمى في هذه الحالة لهوا، ومنه قوله تعالى:
وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قآئما
[الجمعة: 11]. إذن: فاللهو هو الشيء الذي لا مصلحة فيه، ويشغلك عن مطلوب منك. فآية سورة العنكبوت التي قدمت اللهو على اللعب تعني أن أمور الاشتغال بغير الدين قد بلغت مبلغا، وأن الفساد قد طم واستشرى الانشغال بغير المطلوب عن المطلوب، فهذه أبلغ في المعنى من تقديم اللعب لأن اللعب لم يلهه عن شيء. لكن، ما اللهو الذي اشتروه ليصرفوا الناس به عن الحق وعن دعوة الإسلام؟ إنهم لما سمعوا القرآن فيه قصصا عن عاد وثمود، وعن مدين وفرعون.. الخ، فأرادوا أن يشغلوا الناس بمثل هذه القصص. وقد ذهب واحد منهم وهو النضر بن الحارث إلى بلاد فارس وجاءهم من هناك بقصص مسلية عن رستم وعن الأكاسرة وعن ملوك حمير، اشتراها وجاء بها، وجعل له مجلسا يجتمع الناس فيه ليقصها عليهم، ويصرفهم بسماعها عن سماع منطق الحق في رسول الله.
وآخر يقول: بل جاء أحدهم بمغنية تغنيهم أغاني ماجنة متكسرة. ومعنى: ﴿ لهو الحديث ﴾ [لقمان: 6] قال العلماء: هو كل ما يلهي عن مطلوب لله، وإن لم يكن في ذاته في غير مطلوب الله لهوا، وعليه فالعمل الذي يلهي صاحبه من صناعة أو زراعة.. الخ يعد من اللهو إن شغله مثلا عن الصلاة، أو عن أداء واجب لله تعالى. ومن التصرفات ما يعد لهوا، وإن لم يشغلك عن شيء كالغناء، وللعلماء فيه كلام كثير خاصة بعد أن صاحبته الموسيقى وآلات الطرب والحركات الخليعة الماجنة، ولفقهائنا القدامى رأيهم في هذا الموضوع، لكن العلماء المحدثين والذين يريدون أن يجيزوا هذه المسألة يأخذون من كلام القدماء زاوية ويطبقونها على غير كلامهم. نعم، أباح علماؤنا الأنس بالغناء في الأفراح وفي الأعياد اعتمادا على
" قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق الذي رأى جاريتين تغنيان في بيت رسول الله فنهرهما، وقال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: " دعهما، فإننا في يوم عيد ".
وكذلك أباحوا الأناشيد التي تقال لتلهب حماس الجنود في الحرب، أو التي ينشدها العمال ليطربوا بها أنفسهم وينشغلوا بها عن متاعب العمل، أو المرأة التي تهدهد ولدها لينام. ومن ذلك حداء الإبل لتسرع في سيرها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأنجشة:
" رفقا بالقوارير "
فشبه النساء في لطفهن ورقتهن بالقوارير، فإذا ما أسرعت بهن الإبل هزت بهن الهوادج، وهذا يشق على النساء. إذن: لا مانع من كل نص له غرض نبيل، أما إن أهاج الغرائز فهو حرام - والكلام هنا عن مجرد النص - لأن الخالق سبحانه يعلم طبيعة الغرائز في البشر لذلك نسميها غريزة لأن لها عملا وتفاعلا في نفسك بدون أي مؤثرات خارجية، ولها طاقة لا بد أن تتحرك، فإن أثرتها أنت ثارت ونزعت إلى ما لا تحمد عقباه. وسبق أن أوضحنا أن مراتب الشعور ثلاث: يدرك بحواسه، ثم وجدان يتكون في النفس نتيجة للإدراك، ثم النزوع والعمل الذي يترجم هذا الوجدان. ومن رحمة الله بنا أن الشرع لا يتدخل في هذه المسألة إلا في مرحلة النزوع، فيقول لك: قف لا تمد يدك إلى ما ليس لك: ومثلنا لهذه المسألة بالوردة تراها في البستان، ويعجبك منظرها، وتجذبك رائحتها فتعشقها وهذا لك، فإن مددت يدك لتقطفها يقول لك الشارع قف ليس من حقك. إذن: فالشارع الحكيم لا يتدخل في مرحلة الإدراك، ولا في المواجيد إلا في مسألة واحدة لا يمكن الفصل فيها بين الإدراك والوجدان والنزوع، لأنها جميعها شيء واحد، إنها عملية نظر الرجل إلى المرأة التي لا تحل له، لماذا هذه المسألة بالذات؟ قالوا: لأنها لا تقف عند حد الإعجاب بالمنظر، إنما يورثك هذا الإعجاب انفعالا خاصا في نفسك، ويورثك تشكلا خاصا لا يهدأ، إلا بأن تنزع، فرحمة بك يا عبدي أنا سأتدخل في هذا الأمر بالذات من أوله، وأمنعك من مجرد الإدراك، لأنك إن أدركت وجدت، وإن وجدت نزعت إلى ما تجد فأثمت في أعراض الناس أو كبت في نفسك، فأضررت بها، وربك يريد أن يبرئك من الإثم ومن الإضرار بالنفس، فالأسلم لكم أن تغضوا أبصاركم.