انه يوم الفزع الاكبر، يوم تراهم:
﴿ خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ﴾.
يخرجون من قبورهم في حالة هلع عظيم، خاشعة أبصارهم من شدة الهول، كأنهم من كثرتهم وسرعة انتشارهم جراد منتشر. كما قال تعالى ايضا:
يوم يكون الناس كالفراش المبثوث
[القارعة: 4]، فهم في أول أمرهم يكونون كالفراش حين يموجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون، ثم يكونون كالجراد المنتشر عندما يتوجهون للحشر. في ذلك اليوم يخرجون مسرعين الى الداعي، ينظرون إليه في ذل وخضوع، لما يرون من الهول حتى ﴿ يقول الكافرون هذا يوم عسر ﴾ هذا يوم صعب شديد.
قراءات:
قرأ ابن كثير: نكر بضم النون واسكان الكاف، والباقون: نكر بضم النون والكاف. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم: خشعا بضم الخاء وتشديد الشين جمع خاشع. والباقون: خاشعا ابصارهم على الافراد.
54.9-17
ازدجر: زجروه عن التبليغ. فانتصر: فانتقم لي منهم. منهمر: منسكب بقوة. فالتقى الماء على أمر قد قدر: فالتقى ماء السماء بماء الأرض، على حال قدره الله. ذات ألواح ودسر: الواح من الخشب ومسامير، ودسر جمع دسار. بأعيننا: بحفظنا وحراستنا. تركناها آية: تركنا السفينة آية وحجة. مدكر: معتبر، متذكر، متعظ. ونذر: جمع نذير بمعنى إنذار.
يبين الله تعالى هنا ان شأن الرسول الكريم مع قومه كشأن نوح مع قومه. فبعد ان أخبر أنه جاءهم من الأخبار ما فيه زاجر لو تذكروا - ذكر هنا قصة قوم نوح الذين كذبوا نبيهم قديما قبل قريش، ورموه بالجنون ومنعوه من تبليغ رسالته بأنواع الأذى والتخويف.
فدعا نوح ربه: لقد غلبت على أمري، فانتقم منهم بعذابك. فاخبره الله تعالى أنه أجاب دعاءه فقال:
﴿ ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر ﴾ أي بماء متدفق من السماء، وفجر من الأرض عيونا فالتقى ماء السماء بماء الأرض وأهلك الكذابين من قوم نوح بالطوفان ﴿ على أمر قد قدر ﴾ وفق أمر قدره الله تعالى.
﴿ وحملناه على ذات ألواح ودسر ﴾
وحملنا نوحا ومن معه على سفينة مصنوعة من الخشب والمسامير، تجري على الماء بحفظ الله ورعايته، وذلك جزاء منا لنوح الذي كذبه قومه ولم يؤمنوا به.
ثم بين الله تعالى انه أبقى أخبار السفينة وإغراقهم عبرة لمن بعدهم فقال:
﴿ ولقد تركناها آية فهل من مدكر ﴾ فهل يوجد من بينهم من يتعظ ويعتبر!!
﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾
انظروا كيف كان العذاب الذي حل بهم ما أشده، وما أفظع إنذاري لهم بما أحللته بهم. وقد تقدمت قصة نوح في أكثر من سورة وذكر في القرآن في ثلاثة وأربعين موضعا.
ثم بين ان هذا القصص وامثاله إنما يروى في القرآن للعبرة، وانه يسر معناه، وسهله للتذكر والاتعاظ، فهل من متعظ؟
قراءات:
قرأ ابن عامر ويعقوب: ففتحنا بتشديد التاء، والباقون: ففتحنا بغير تشديد.