قراءات
قرأ ابن كثير وابو عمرو: معجزين بتشديد الجيم المكسورة بمعنى مثبطين ومبطئين. والباقون: معاجزين بالالف.
22.52-57
تمنى: تمنى الشيء أراده: وحدث نفسه بما يكون وما لا يكون. وتمنى: سأل ربه: وفي الحديث: اذا تمنى أحدكم فليستكثر. وتمنى الكتاب: قرأه. ينسخ: يبطل. يحكم: يجعلها محكمة مثبتة. في مرية: في شك. يوم عقيم: منفرد لا شبيه له. مهين: مذل.
﴿ ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ﴾.
إن اغلى أمنية لأي رسول أو نبي هي ان يعرف الناس حقيقة رسالته ويفهموها ويدركوا أهدافها ليهتدوا بها، فلا تحزن أيها الرسول من محاولات هؤلاء الكفار أرباب الأطماع، فقد جرت الحوادث من قبلك مع كل رسول ونبي من أنبيائنا أنه كلما قرأ عليهم شيئا يدعوهم به الى الحق تصدى له شياطين الانس المتمردون لإبطال دعوته وتشكيك الناس فيما يتلوه. وذلك لكي يحولوا دون تحقيق أمنيته في إجابة دعوته، فينسخ الله ما يدبرون، ثم يثبت شريعته وينصر رسله، ويجعل آياته محكمة لا تقبل الرد. انه عليم باحوال الناس ومكايدهم، حكيم في أفعاله يضع كل شيء في موضعه.
وجاء في كثير من التفاسير رواية منسوبة الى ابن عباس، ان النبي صلى الله عليه وسلم تلا على قريش سورة النجم، ولما بلغ قوله تعالى: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ ألقى الشيطان في تلاوة الرسول: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى ". فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به. ولما سجد الرسول سجد المسلمون والمشركون جميعا بسجوده.... فنزلت هذه الآية والآيات الثلاث التي بعدها.
وهذه الرواية مكذوبة لا اصل لها ولم ترد في كتاب من الكتب الموثوقة، وليس لها سند صحيح. بل إنها من وضع الكذابين المشككين في الدين.
وقد كذبها العلماء... قال القاضي عياض في الشفاء: ان هذا لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل.
وقال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل.
وقال الفخر الرازي في تفسيره: هذه الرواية باطلة موضوعة عند اهل التحقيق.
وقال الامام ابو بكر البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل.
وهذه السورة مدنية فكيف نوفق بينها وبين سورة النجم وهي مكية ومن اوائل ما نزل بمكة! ولا أعتقد بصحة ما يقوله بعض المفسرين أن هذه الآيات 52، 53، 54، 55 من سورة الحج مكية، فإنهم قالوا إنها مكية حتى توافق هذه الرواية الباطلة.
﴿ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ﴾.
إن الشيطان ليجد الفرصة مهيأة أمامه ليلقي الفتنة في نفوس أوليائه الذين في قلوبهم مرض من نفاق او انحراف، والقاسية قلوبهم من الكفار المعاندين، فيجدون في مثل هذه الأقوال مادة للجدل والشقاق والتمرد على أحكام الله.
﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ﴾
اما الذين أوتوا العلم والمعرفة فتطمئن قلوبهم إلى بيان الله وحكمه الفاصل، فيزيدهم إيمانا وعلما بأن ما يقوله الأنبياء والرسل هو الحق المنزل من عند الله.
ثم بين الله حسن مآلهم وفوزهم بالسعادة الأبدية فقال:
﴿ وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ﴾.
ان الله ليهدي الذين آمنوا إلى تأويل ما تشابه من الدين، وينسخ ما ألقاه الشياطين من الفتن، فلا تلحقهم حيرة، ولا تعتريهم شبهة، ولا تزلزل أقدامهم ترهات المبطلين.
﴿ ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ﴾
ذلك شأن الذين كفروا مع القرآن كله، فهم لا يزالون في شك منه، فلا مطمع في إيمانهم، ولا زوال الشك من قلوبهم،.. سوف يستمرون على شكهم في القرآن حتى يأتيهم الموت فجأة أو يأتيهم عذاب يوم القيامة، العذاب العقيم الذي لا شبيه له.