﴿ وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ﴾.
استسلمت الخلائق لخالقها الحي الذي لا يموت، القائم على خلقه بتدبير شئونهم. في ذلك اليوم خسر النجاة كل من ظلم نفسه في الدنيا فأشرك بربه.
وبعد ان ذكر أهوال يوم القيامة بين حال المؤمنين في ذلك اليوم فقال:
﴿ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ﴾.
أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وجاؤا ربهم في ذلك اليوم، فإنهم في كنف الله وضيافته، لا يخافون من ظلم ولا نقص لحقوقهم.
ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون
[النحل:97].
قراءات:
قرأ الجمهور: يوم ينفخ في الصور بالياء، وقرأ ابو عمرو وحده: ننفخ بالنون. وقرأ الجمهور: فلا يخاف ظلما ولا هضما: بالياء. وقرأ ابن كثير: فلا يخف بالجزم.
20.113-122
صرفنا: كررنا وفصلنا. ذكرا: عظة وعبرة. لا تضحى: لا تبرز للشمس، ولا تتعب. طفقا يخصفان: شرعا يلزقان ورق الجنة. غوى: ضل. اجتباه: اصطفاه وقربه.
﴿ وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا.... ﴾.
وكما انزلنا ما ذكر من البيان الحق الذي سلف في هذه السورة، كذلك أنزلنا القرآن كله بأسلوب عربي واضح، وصرفنا فيه القول في أساليب الوعيد ليجتنبوا الشرك والوقوع في المعاصي، او يتذكروه إذا اذنبوا فيتوبوا الى الله ويسألوه العفو.
﴿ فتعالى الله الملك الحق... ﴾.
تقدس الله المتصرف بالأمر والنهي، المحق في ألوهيته وعظمته. ولا تعجل يا محمد بقراءة القرآن من قبل ان يتم جبريل تبليغه اليك. أنصت حين نزول الوحي بالقرآن عليك، حتى يفرغ الملك من قراءته، ثم اقرأه بعده.
﴿ وقل رب زدني علما ﴾.
بالقرآن ومعانيه وكل شيء. وهذا يدل على فضيلة العلم، فان الله تعالى لم يأمر رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. ولقد قام الاسلام على العلم والتعلم من بدايته، وبالعلم سيطرت الأمم المسيطرة في الوقت الحاضر، ولو أننا اتبعنا القرآن حق اتباعه لكنا اليوم في الذروة من كل شيء.
وسبب نزول هذه الآية ان الرسول الكريم كان اذا لقنه جبريل الوحي، يتبعه عند تلفظ كل كلمة وكل حرف، لكمال اعتنائه بالتلقي والحفظ، فأرشده الله الى التأني ريثما يسمعه ويفهمه. ونحوه قوله تعالى:
لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه
[القيامة:16 - 19].
روى الترمذي عن ابي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علما، والحمد لله على كل حال، واعوذ بالله من حال أهل النار "
قراءات:
قرأ يعقوب: من قبل أن نقضي اليك وحيه. بفتح النون وكسر الضاد ونصب وحيه. والباقون: من قبل ان يقضى اليك وحيه، بضم الياء ورفع وحيه.
﴿ ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ﴾.
بعد تلك الجولة الطويلة في قصة موسى، والعرض الموجز لأحوال القيامة وتذكير الناس بأهوال ذلك اليوم العظيم، ثم ذكر القرآن وما فيه من وعيد ومن احكام، والأمر للرسول ان لا يعجل في تلقيه خوف ان ينسى - يأتي الحديث هنا عن قصة آدم. فقد نسي آدم ما عهد الله به اليه، وضعف أمام الإغراء بالخلود فاستمع لوسوسة الشيطان. وكان هذا ابتلاء من ربه قبل ان يعهد اليه بخلافة الأرض. ثم تداركت رحمة الله آدم فاجتباه وهداه.
ولقد وصينا آدم وقلنا له أن لا يخالف لنا أمرا، فنسي العهد وخالف، ولم نجد له ثباتا في الرأي، ولا تصميما قويا يمنع من ان يتسلل الشيطان الى نفسه بوسوسته.
وكل هذا العرض بإجمال لأنه فصل في سورة البقرة والأعراف والحجر والإسراء والكهف.
ثم بين الله تعالى ما عهد اليه به وكيفية نسيانه وفقدان عزمه فقال:
﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى.... ﴾.
اذكر ايها الرسول حين امرنا الملائكة ان يسجدوا لآدم سجود تعظيم، فامتثلوا ولبوا الأمر، إلا ابليس الذي امتنع وأبى ان يكون من الساجدين.