ثالثها: العبادة التي تحيي التوحيد في القلوب وتثبته في النفوس.
رابعها: بيان سبيل السعادة وكيفية السير فيه الموصل إلى نعم الدنيا والآخرة.
خامسها: قصص من وقف عند حدود الله تعالى وأخذ بأحكام دينه، وأخبار الذين تعدوا حدوده ونبذوا أحكام دينه ظهريا لأجل الاعتبار، واختيار طريق المحسنين.
هذه هي الأمور التي احتوى عليها القرآن، وفيها حياة الناس وسعادتهم الدنيوية والأخروية، والفاتحة مشتملة عليها إجمالا بغير ما شك ولا ريب.
فأما التوحيد: ففي قوله:
الحمد لله رب العالمين
[الفاتحة: 2] لأنه ناطق بأن كل حمد وثناء يصدر عن نعمة ما فهو له تعالى، ولا يصح ذلك إلا إذا كان سبحانه مصدر كل نعمة في الكون تستوجب الحمد، ومنها نعمة الخلق والإيجاد والتربية والتنمية. ولم يكتف باستلزام العبارة لهذا المعنى فصرح به بقوله:
رب العالمين
[الفاتحة: 2] ولفظ ﴿ رب ﴾ ليس معناه المالك والسيد فقط، بل فيه معنى التربية والإنماء. وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق منه عز وجل. فليس في الكون متصرف بالإيجاد والإشقاء، والإسعاد سواه. ثم إن التوحيد أهم ما جاء لأجله الدين. ولذلك لم يكتف في الفاتحة بمجرد الإشارة إليه، بل استكمله بقوله:
إياك نعبد وإياك نستعين
[الفاتحة: 5] فاجتث بذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في جميع الأمم، وهي اتخاذ أولياء من دون الله تعتقد لهم السطلة الغيبية، يدعون لذلك من دون الله، ويستعان بهم على قضاء الحوائج في الدنيا، ويتقرب بهم إلى الله زلفى.
وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد ومقارعة المشركين هو تفصيل لهذا الإجمال.
وأما الوعد والوعيد: فالأول منهما مطوي في
بسم الله الرحمن الرحيم
[الفاتحة: 1] فذكر الرحمة في اول الكتاب، وهي التي وسعت كل شيء. وعد بالإحسان - لاسيما وقد كررها مرة ثانية - تنبيها لنا على أن أمره إيانا بتوحيده وعبادته رحمة منه سبحانه بنا، لأنه لمصلحتنا ومنفعتنا. وقوله تعالى:
ملك يوم الدين
[الفاتحة: 4] يتضمن الوعد والوعيد معا، لأن معنى الدين الخضوع، أي: إن له تعالى في ذلك اليوم السلطان المطلق والسيادة التي لا نزاع فيها، لا حقيقة ولا ادعاء؛ وإن العالم كله يكون فيه خاضعا لعظمته - ظاهرا وباطنا - يرجو رحمته، ويخشى عذابه؛ وهذا يتضمن الوعد والوعيد. أو معنى الدين الجزاء وهو: إما ثواب للمحسن، وإما عقاب للمسيء، وذلك وعد ووعيد. وزد على ذلك أنه ذكر بعد ذلك
الصراط المستقيم
[الفاتحة: 6] وهو الذي من سلكه فاز، ومن تنكبه هلك. وذلك يستلزم الوعد والوعيد.
وأما العبادة، فبعد أن ذكرت في مقام التوحيد بقوله:
إياك نعبد وإياك نستعين
[الفاتحة: 5]، أوضح معناها بعض الإيضاح بقوله تعالى:
اهدنا الصراط المستقيم
[الفاتحة: 6] أي: إنه قد وضع لنا صراطا سيبينه ويحدده. ويكون مناط السعادة في الاستقامة عليه، والشقاء في الانحراف عنه. وهذه الاستقامة عليه هي روح العبادة. ويشبه هذا قوله تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
[العصر: 1-3]. فالتواصي بالحق والصبر هو كمال العبادة بعد التوحيد. والفاتحة بجملتها تنفخ روح العبادة في المتدبر لها. وروح العبادة هي إشراب القلوب خشية الله، وهيبته، والرجاء لفضله، لا الأعمال المعروفة من فعل وكف وحركات اللسان والأعضاء. فقد ذكرت العبادة في الفاتحة قبل ذكر الصلاة وأحكامها، والصيام وأيامه؛ وكانت هذه الروح في المسلمين قبل أن يكلفوا بهذه الأعمال البدنية، وقبل نزول أحكامها التي فصلت في القرآن تفصيلا ما؛ وإنما الحركات والأعمال مما يتوسل به إلى حقيقة العبادة. ومخ العبادة الفكر والعبرة.
وأما الأخبار والقصص: ففي قوله تعالى: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ تصريح بأن هنالك قوما تقدموا، وقد شرع الله شرائع لهدايتهم، وصائح يصيح: ألا فانظروا في الشؤون العامة التي كانوا عليها واعتبروا بها، كما قال تعالى لنبيه يدعوه إلى الاقتداء بمن كان قبله من الأنبياء: