84.10-15
﴿ وأما من أوتي كتبه ورآء ظهره ﴾ أي: أعطي كتاب عمله بشماله من وراء ظهره، وهو على هيئة المغضوب عليه، أمام الملك المنصرف به عن ذاك المقام إلى دار الهوان:
للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم
[النحل: 60] ﴿ فسوف يدعوا ثبورا ﴾ أي: ينادي بالهلاك وهو أن يقول: وا ثبوراه! ووا ويلاه! وهو من قولهم دعا فلان لهفه، إذا قال وا لهفاه ﴿ ويصلى سعيرا ﴾ أي: يدخل نارا يحترق بها ﴿ إنه كان في أهله مسرورا ﴾ أي: منعما مستريحا من التفكر في الحق والدعاء إليه والصبر عليه. لا يهمه إلا أجوفاه، بطرا بالنعم، ناسيا لمولاه ﴿ إنه ظن أن لن يحور ﴾ أي: لن يرجع إلى ربه، أو إلى الحياة بالبعث. لاعتقاده أنه يحيى ويموت ولا يهلكه إلا الدهر. فلم يك يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا ولا يبالي ما ركب من المآثم، على خلاف ما قيل عن المؤمنين:
إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين
[الطور: 26]
إني ظننت أني ملاق حسابيه
[الحاقة: 20] ﴿ بلى ﴾ أي: ليحورن وليرجعن إلى ربه حيا كما كان قبل مماته ﴿ إن ربه كان به بصيرا ﴾ أي: بما أسلف في أيامه الخالية، فيجازيه عليه.
84.16-21
﴿ فلا أقسم بالشفق ﴾ وهي الحمرة في الأفق من ناحية مغرب الشمس ﴿ والليل وما وسق ﴾ أي: جمع وضم مما سكن وهدأ فيه من ذي روح كان يطير أو يدب نهارا كذا قال ابن جرير، والأظهر: أن يكون إشارة إلى الأشياء كلها، لاشتمال الليل عليها. فكأنه تعالى أقسم بجميع المخلوقات كما قال:
فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون
[الحاقة: 38 - 39]. ﴿ والقمر إذا اتسق ﴾ أي: اجتمع وتم نوره وصار كاملا ﴿ لتركبن طبقا عن طبق ﴾ أي: حالا بعد حال. والمعني بالحال الأولى البعث للجزاء على الأعمال. وبالثانية الحياة الأولى. وفيه تنبيه على مطابقة كل واحدة لأختها. فإن الحياة الثانية تماثل الأولى وتطابقها من حيث الحس والإدراك والألم واللذة، وإن خفي اكتناهها. وجوز أن يكون ﴿ طبقا ﴾ جمع طبقة وهي المرتبة. أي لتركبن مراتب شديدة مجاوزة عن مراتب وطبقات، وأطوارا مرتبة بالموت وما بعده من مواطن البعث والنشور.
قال الشهاب: الطبق معناه ما طابق غيره مطلقا في الأصل، ثم إنه خص بما ذكر، وهو الحال المطابقة أو مراتب الشدة المتعاقبة.
و ﴿ عن ﴾ للمجاوزة أو بمعنى (بعد). والبعدية والمجاوزة متقاربان، لكنه ظاهر في الثاني ﴿ فما لهم لا يؤمنون ﴾ أي: بهذا الحديث. وقد أقام لهم الحجة على التوحيد والبعث ﴿ وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون ﴾ أي: لا يخضعون ولا يستكينون ولا ينقادون.
قال في (الإكليل): وقد استدل به على مشروعية سجدة التلاوة.