تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

83.4-6

قوله تعالى: ﴿ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ﴾ أي: من قبورهم بعد مماتهم ﴿ ليوم عظيم ﴾ أي: عظيم الهول جليل الخطب كثير الفزع، من خسر فيه أدخل نارا حامية ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ أي: لأمره وقضائه فيهم بما يستحقون، في موقف يغشى المجرم فيه من الهول، ما يود الافتداء بكل مستطاع. وفي تأثر الويل للمطففين بما ذكر في هاتين الآيتين، مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه. ووجه ذلك كما لخصه الشهاب، أن في ذكر الظن من التجهيل مع اسم الإشارة الدال على التبعيد، تحقيرا - ووصف يوم قيامهم بالعظمة - وإبدال ﴿ يوم يقوم ﴾ منه، فإنه يدل على استعظام ما استحقروه. والحكمة اقتضت أن لا تهمل مثقال ذرة من خير وشر.

وعنوان (رب العالمين) للمالكية والتربية الدالة على أنه لا يفوته ظالم قوي، ولا يترك حق مظلوم ضعيف - وفي تعظيم أمر التطفيف إيماء إلى العدل وميزانه، وأن من لا يهمل مثل هذا، كيف يهمل تعطيل قانون عدله في عباده؟ وناهيك بأنه وصفهم بصفات الكفرة. فتأمل هذا المقام، ففيه ما تتحير فيه الأوهام.

83.7-11

﴿ كلا ﴾ ردع عن التطفيف الذي يقترفونه لغفلتهم عن يوم الحساب وضعف اعتقادهم به ﴿ إن كتاب الفجار ﴾ أي: ما كتب فيه من عملهم السيئ وأحصى عليهم. وإيثار المظهر للإشعار بوصف لهم ثان، وهو الفجور بخروجهم عن حد العدالة المتفق عليها الشرع والعقل ﴿ لفي سجين * ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم ﴾ أي: مسطور بين الكتابة. أو معلم برقم ينبئ عن قبحه. سمي سجينا - فعيلا من السجن: وهو الحبس والتضييق - لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم. فهو بمعنى (فاعل) في الأصل. أو لأنه مطروح في أسفل مكان مظلم. فهو بمعنى (مفعول) كأنه مسجون لما ذكر. وقيل: هو اسم مكان، فيقدر مضاف فيه أو فيما بعده. والتقدير: ما كتاب سجين أو محل كتاب مرقوم؟ فحذف المضاف. وقيل: إنه مشترك بين المكان والكتاب. وقال الأصفهاني: السجين: اسم لجهنم بإزاء عليين. وزيد لفظه تنبيها على زيادة معناه. وقيل: هو اسم للأرض السابعة.

ثم قال: وقد قيل إن كل شيء ذكره الله تعالى بقوله: ﴿ وما أدراك ﴾ فسره. وكل ما ذكره بقوله: ﴿ وما يدريك ﴾ تركه مبهما. وفي هذا الموضع ذكر ﴿ وما أدراك ﴾ وكذا في قوله: ﴿ وما أدراك ما عليون ﴾ ثم فسر الكتاب، لا السجين والعليون. وفي هذه الطبقة موضعها الكتب التي يتبع هذا الكتاب، لا هذا. انتهى.

وقال القاشاني: ﴿ لفي سجين ﴾: في مرتبة من الوجود مسجون أهلها في حبوس ضيقة مظلمة أذلاء أخساء في أسفل مراتب الطبيعة ودركاتها. وهو ديوان أعمال أهل الشر. ولذلك فسر بقوله: ﴿ كتاب مرقوم ﴾ أي: ذلك المحل المكتوب في أعمالهم، كتاب مرقوم برقوم هيئات رذائلهم وشرورهم ﴿ ويل يومئذ للمكذبين * الذين يكذبون بيوم الدين ﴾ أي: بيوم الحساب والمجازاة. وفيه إشعار بأن المطففين ممن يتناولهم هذا الوصف؛ لأن إصرارهم على التعدي والاجترام يدل على عدم الظن بالبعث. كما قال تعالى: ﴿ وما يكذب به إلا... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٩٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٩٩٠