77.27-28
﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات ﴾ أي: جبالا شاهقات ﴿ وأسقيناكم مآء فراتا ﴾ أي: عذابا ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾.
77.29
﴿ انطلقوا ﴾ أي: يقال لهؤلاء المكذبين بهذه النعم والحجج التي احتج بها عليهم يوم القيامة: انطلقوا ﴿ إلى ما كنتم به تكذبون ﴾ أي: من عذاب الله للكفرة والفجرة.
77.30-40
﴿ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ﴾ أي: فرق. وذلك دخان جهنم المرتفع من وقودها إذا تصاعد تفرق شعبا ثلاثا، لعظمه.
قال الشهاب: فيه استعارة تهكمية لتشبيه ما يعلو من الدخان بالظل. وفيه إبداع؛ لأن الظل لا يعلو ذا الظل. وقوله تعالى: ﴿ لا ظليل ﴾ تهكم بهم؛ لأن الظل لا يكون إلا ظليلا أي مظللا. فنفيه عنه للدلالة على أن جعله ظلا تهكم بهم، ولأنه ربما يتوهم أن فيه راحة لهم، فنفي هذا الاحتمال بقوله: ﴿ لا ظليل ﴾ ﴿ ولا يغني من اللهب ﴾ أي: لا يرد عنهم من لهب النار شيئا. والمعنى: أنه لا يظلهم من حرها ولا يكنهم من لهبها ﴿ إنها ترمي بشرر كالقصر ﴾ أي: تقذف كل شررة كالقصر في عظمها. والقصر: واحد القصور.
قال ابن جرير: العرب تشبه الإبل بالقصور المبنية، كما قال الأخطل في صفة ناقة:
كأنها برج رومي يشيده
لز بجص وآجر وأحجار
ثم قال: وقيل: ﴿ بشرر كالقصر ﴾ ولم يقل: كالقصور. والشرر جمع. كما قيل:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45] ولم يقل الأدبار لأن الدبر بمعنى الأدبار. وفعل ذلك توفيقا بين رؤوس الآي ومقاطع الكلام؛ لأن العرب تفعل ذلك كذلك. وبلسانها نزل القرآن.
﴿ كأنه جملت ﴾ وقرئ: " جمالات " جمع (جمال) جمع (جمل). أو جمع (جمالة) جمع (جمل) أيضا. ونظيره: رجال ورجالات، وبيوت وبيوتات، وحجارة وحجارات. ﴿ صفر ﴾ أي: في لونها. فإن الشرار بما فيه من النارية يكون أصفر. وقيل: صفر أي سود.
قال قتادة وغيره: أي: كالنوق السود، واختاره ابن جرير زاعما أنه المعروف من كلام العرب.
﴿ ويل يومئذ للمكذبين * هذا يوم لا ينطقون ﴾ أي: بحجة. أو في وقت من أوقاته؛ لأنه يوم طويل ذو مواقف ومواقيت. أو جعل نطقهم كلا نطق؛ لأنه لا ينفع ولا يسمع، فلا ينافي آية:
والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23] وآية
ولا يكتمون الله حديثا
[النساء: 42] وآية:
ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون
[الزمر: 31] ﴿ ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ أي: لا يمهد لهم الإذن في الاعتذار، لعدم قبول معذرتهم بقيام الحجة عليهم. وإنما لم يقل: (فيعتذروا) محافظة على رؤوس الآي. وقيل: هو معطوف على ﴿ يؤذن ﴾ منخرط معه في سلك النفي. والمعنى: لا يكون لهم إذن واعتذار متعقب له، من غير أن يجعل الاعتذار مسببا عن الإذن.
﴿ ويل يومئذ للمكذبين * هذا يوم الفصل ﴾ أي: الحق بين العباد ﴿ جمعنكم ﴾ أي: حشرناكم فيه ﴿ والأولين ﴾ أي: من الأمم الهالكة ﴿ فإن كان لكم كيد ﴾ أي: احتيال للتخلص من العذاب ﴿ فكيدون ﴾ أي: فاحتالوا له.
قال الزمخشري: تقريع لهم على كيدهم لدين الله وذويه، وتسجيل عليهم بالعجز والاستكانة ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ أي: فإنه لا حيلة لهم في دفع العقاب.