تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[طه: 114].

ومنها: أن أول السورة لما نزل إلى قوله:

ولو ألقى معاذيره

[القيامة: 15] صادف أنه صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة بادر إلى تحفظ الذي نزل، وحرك به لسانه من عجلته خشية من تفلته، فنزلت ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ ثم عاد الكلام إلى تكملة ما ابتدأ به.

قال الفخر الرازي: ونحوه ما لو ألقى المدرس على الطالب مثلا مسألة، فتشاغل الطالب بشيء عرض له فقال له: ألقي إلي بالك، وتفهم ما أقول. ثم كمل المسالة فمن لا يعرف السبب يقول: ليس هذا الكلام مناسبا للمسألة، بخلاف من عرف ذلك - قاله الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).

الثالث: استدلوا على التأويل السابق بقوله تعالى: ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما هو مذهب الجمهور لما تقتضيه ﴿ ثم ﴾ من التراخي. وأول من استدل لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكر بن الطيب، وتبعوه. وهذا لا يتم إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلا فإذا حمل على أن المراد استمرار حفظه له، وظهوره على لسان، فلا!

قال الآمدي: يجوز أن يراد بالبيان: الإظهار، لا بيان المجمل. يقال (بأن الكوكب إذا ظهر) قال: ويؤيد أن المراد: جميع القرآن، والمجمل: إنما هو بعضه، ولا اختصاص بالأمر المذكور دون بعض.

قال أبو الحسين البصري: يجوز أن يراد البيان التفصيلي، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجمالي، فلا يتم الاستدلال. وتعقب باحتمال إرادة المعنيين: الإظهار والتفضيل وغير ذلك، لأن قوله: ﴿ بيانه ﴾ جنس مضاف، فيعم جميع أصنافه من إظهاره وتبيين أحكامه، وما يتعلق بها من تخصيص وتقييد ونسخ وغير ذلك - قاله الحافظ في (الفتح).

وجوز القفال أن تكون ﴿ ثم ﴾ للترتيب في الإخبار. أي: ثم إنا نخبرك بأن علينا بيانه، فلا تدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب. وضعفه الرازي بأنه ترك للظاهر من غير دليل.

الرابع: ما قدمناه من معنى قوله تعالى: ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ إلخ، وما استفيد منه، وما قيل في مناسبته لما قبله، كله إذا جرى على المأثور فيها. وحاول القفال معنى فقال كما نقله عنه الرازي -: إن قوله تعالى: ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ ليس خطابا مع الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في قوله:

ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر

[القيامة: 13] فكان ذلك حال ما ينبأ بقبائح أفعاله، وذلك بأن يعرض عليه كتابه فيقال له:

اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا

[الإسراء: 14]. فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدة الخوف، وسرعة القراءة، فيقال له: ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾ فإنه يجب علينا بحكم الوعد، أو بحكم الحكمة، أن نجمع أعمالك عليك، وأن نقرأها عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه، بالإقرار بأنك فعلت تلك الأفعال.

ثم إن علينا بيان أمره، وشرح مراتب عقوبته. وحاصل الأمر من تفسير هذه الآية: أن المراد منه؛ أنه تعالى يقرأ على الكافر جميع أعماله، على سبيل التفصيل. وفيه أشد الوعيد في الدنيا، وأشد التهويل في الآخرة.

ثم قال القفال: فهذا وجه حسن، ليس في العقل ما يدفعه، وإن كانت الآثار غير واردة به. انتهى.

ونقل الشهاب أن بعضهم ارتضى هذا الوجه، وقدمه على الوجه السابق.

وزعم الحافظ ابن حجر أن الحامل على هذا الوجه الأخير هو عسر بيان المناسبة بين هذه الآية وما قبلها من أحوال القيامة. أي: ولما بين الأئمة المناسبة التي أثرناها عنهم، لم يبق وجه للذهاب إلى هذا الوجه الأخير، مع أن هذا الوجه - هو فيما يظهر - فيه غاية القوة والارتباط بما قبله وما بعده، مما يؤثر على المأثور، الذي قد يكون مدركه الاجتهاد، والوقوف مع ظاهر ألفاظ الآية. ومما يؤيده ما أورد عليه أن ابن عباس لم ير النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال، لأن الظاهر أن ذلك كان في مبدأ البعث النبوي، ولم يكن ابن عباس ولد حينئذ. ولا مانع - كما قال ابن حجر - أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بعد، فيراه ابن عباس، أو يخبر به، فيكون من مراسيل الصحابة - والله أعلم.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٩٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٩٤٣