تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به

[النساء: 83] ولأن تحريم مثل ذلك بغير إذن الأمير إجماع، ومع إذنه يجوز، فقد أذن في أكثر من ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيلة في حفظ المال. فلو كان مثل ذلك موالاة لم يأذن فيه صلى الله عليه وسلم. فدل على أن ذنب حاطب هو الكتم، لما فيه من الخيانة لا نفس الفعل لو تجرد من الكتم والخيانة - والله أعلم - انتهى.

ويضاف إلى الكتم والخيانة ما أفادته الآية من التودد بذلك إليهم، والمناصحة لهم مما يشف عن كون الآتي بذلك متزلزلا في عقده، مضطربا في حقه، فيصبح عمله حجة على دينه، ويكون ذلك سببا لافتتان المشركين المفسدين بصحيح الدين القويم. وهذا هو السر في الحقيقة، كما بينه آية

ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا

[الممتحنة: 5]. وسيأتي بيانه.

ثم علم الله تعالى عباده المؤمنين التأسي بإبراهيم عليه السلام في البراءة من المشركين ومصارمتهم ومجانبتهم، بقوله سبحانه:

﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله... ﴾.

60.4

﴿ قد كانت لكم أسوة ﴾ أي: قدوة ﴿ حسنة في إبراهيم والذين معه ﴾ أي: أتباعه الذين آمنوا معه، كلوط عليه السلام ﴿ إذ قالوا لقومهم ﴾ يعني: الذين أشركوا بالله وعبدوا الطاغوت ﴿ إنا برءآؤا ﴾ جمع بريء، كظريف وظرفاء ﴿ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم ﴾ أي: بدينكم ومعبودكم. قال ابن جرير: أي: أنكرنا ما أنتم عليه من الكفر بالله، وجحدنا عبادتكم ما تعبدون من دون الله أن يكون حقا ﴿ وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ﴾ أي: لا صلح بيننا ولا مودة إلى أن تؤمنوا بالله وحده. أي: توحدوه وتفردوه بالعبادة

﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ استثناء من قوله: ﴿ أسوة حسنة ﴾ قال ابن جرير: أي: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه في هذه الأمور التي ذكرناها، من مباينة الكفار ومعاداتهم، وترك موالاتهم إلا في قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، فإنه لا أسوة لكم فيه في ذلك؛ لأن ذلك كان من إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه قبل أن يتبين أنه عدو لله، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. يقول تعالى ذكره: فكذلك أنتم أيها المؤمنون بالله، تبرؤوا من أعداء الله المشركين به، ولا تتخذوا منهم أولياء، وأظهروا لهم العداوة والبغضاء، حتى يؤمنوا بالله وحده، ويتبرءواعن عبادة ما سواه.

ثم روي عن مجاهد أنه قال في الآية: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه، فيستغفروا للمشركين.

﴿ ومآ أملك لك من الله من شيء ﴾ أي: وما أدفع عنك من عقوبة الله شيئا إن أراد عقابك. والجملة من تمام المستثنى، إلا أنه لا يلزم من استثناء المجموع استثناء عموم أفراده. ولذا قال الزمخشري: القصد إلى موعد الاستغفار وما بعده مبني عليه وتابع له، كأنه قال: أنا أستغفر لك، وما في طاقتي إلا الاستغفار.

وقوله تعالى ﴿ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ﴾ أي: متصل بما قبل الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة، أو أمر منه تعالى للمؤمنين بأن يقولوا ذلك، تتميما لما وصاهم به من قطع الصلات المضرة بينهم وبين المحاربين لهم. ومعنى: ﴿ وإليك أنبنا ﴾ أي: إليك رجعنا بالتوبة مما تكره إلى ما تحب وترضى.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٨٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٨٢٩