تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

60.2

﴿ إن يثقفوكم ﴾ أي: يظفروا بكم ﴿ يكونوا لكم أعدآء ﴾ أي: حربا، ولا ينفعكم إلقاء المودة إليهم ﴿ ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴾ أي: بما يسوؤكم كالقتل والشتم، ﴿ وودوا لو تكفرون ﴾ أي: بما جاءكم من الحق.

60.3

﴿ لن تنفعكم أرحامكم ﴾ أي: قراباتكم ﴿ ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم ﴾ أي: بإثابة المؤمنين، ومعاقبة العاصين.

وقال القاشاني: أي: لا نفع لمن اخترتم موالاة العدو الحقيقي لأجله؛ لأن القيامة مفرقة. وهذا معنى قوله: ﴿ يوم القيامة يفصل بينكم ﴾ أي: يفصل الله بينكم وبين أرحامكم وأولادكم كما قال:

يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه

[عبس: 34 - 36] انتهى، وهو تأويل جيد.

لطيفة

قال السمين: يجوز في ﴿ يوم القيامة ﴾ وجهان:

أحدهما: أن يتعلق بما قبله، أي: لن تنفعكم يوم القيامة، فيوقف عليه، ويبتدأ ب ﴿ يفصل بينكم ﴾.

الثاني: أن يتعلق بما بعده أي: يفصل بينكم يوم القيامة، فيوقف على ﴿ أولادكم ﴾ ، ويبتدأ ب ﴿ يوم القيامة ﴾

﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ أي: فيجازيكم عليه.

تنبيهات

الأول: قال ابن جرير: ذكر أن هذه الآيات من أول هذه السورة، نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة، وكان كتب إلى قريش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخفاه عنهم - ثم ساق الروايات.

وأما رواية البخاري فعن علي رضي الله عنه قال:

" بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها " ، فذهبنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب! فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه:

من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين، يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما هذا يا حاطب؟ " قال: لا تعجل علي يا رسول الله! إني كنت امرءا من قريش، ولم أكن من أنفسهم. وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يدا يحمون قرابتي. وما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه قد صدقكم " فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه! فقال: " إنه شهد بدرا، وما يدريك، لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم! " ".

قال عمرو بن دينار - راوي الحديث - ونزلت فيه:

يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي...

[الممتحنة: 1] الآيات.

قال ابن كثير: كان حاطب هذا رجلا من المهاجرين، ومن أهل بدر، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفا لعثمان.

فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة، لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتجهز لغزوهم وقال:

" اللهم عم عليهم خبرنا "

فعمد حاطب هذا، فكتب كتابا إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوهم، ليتخذ بذلك عندهم يدا - كما ذكر في الحديث.

الثاني: قال ابن كثير: يعني تعالى بقوله:

يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء

[الممتحنة: 1]: المشركين والكفار، الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين، الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء، كما قال تعالى:

يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء بعضهم أوليآء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم

[المائدة: 51]، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد. وقال تعالى:

يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أوليآء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين

محاسن التأويل · الصفحة ٢٨٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٨٢٧