هو الذى يسيركم فى البر والبحر حتى إذا كنتم فى الفلك
[يونس: 22] فذكر بلفظ المخاطبة، ثم قال
وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها
[يونس: 22] [هذا ذكر] على المغايبة. ومثل هذا في القرآن كثير. قوله تعالى: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ " السراط " بالسين وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي وقرأ الباقون بالصاد وكل ذلك جائز، لأن مخرج السين والصاد واحد وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب، والقراءة المعروفة بالصاد ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ اهدنا ﴾ يعني أرشدنا ﴿ الصراط المستقيم ﴾ وهو الإسلام [فإن قيل: أليس هو الطريق المستقيم؟ وهو الإسلام فما] معنى السؤال؟ قيل له: الصراط المستقيم، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود. فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود، ويعصمه من السبل المتفرقة. وقد روي عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: خط لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا مستقيما، وخط بجنبه خطوطا، ثم قال: إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول: هلم إلى الطريق وفي هذا نزلت هذه الآية
وأن هذا صرطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله
[الأنعام: 153] فلهذا قال: اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة. قال الكلبي: أمتنا على دين الإسلام. وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ يعني ثبتنا عليه. ومعنى قول علي: ثبتنا عليه. يعني احفظ قلوبنا على ذلك، ولا تقلبها بمعصيتنا. وهذا موافق لقول الله تعالى:
ويهديك صرطا مستقيما
[الفتح: 2] فكذلك ها هنا. قوله تعالى: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ يعني طريق الذين مننت عليهم، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه. وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه. فامنن علينا كما مننت عليهم. أخبرنا الفقيه: أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، أحمد بن محمد بن سهل القاضي قال: حدثنا أحمد ابن جرير، قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا حمزة بن المغيرة عن عاصم عن أبي العالية في قوله تعالى ﴿ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ قال: هو النبي - عليه السلام - وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن البصري فقال: صدق والله أبو العالية ونصح. وقوله تعالى ﴿ غير المغضوب عليهم ﴾ أي غير طريق اليهود. يقول: لا تخذلنا بمعصيتنا، كما خذلت اليهود فلم تحفظ قلوبهم، حتى تركوا الإسلام ﴿ ولا الضالين ﴾ يعني ولا النصارى، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا. وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى.
فإن قيل: أليس النصارى من المغضوب عليهم؟ واليهود أيضا من الضالين؟ فكيف صرف المغضوب إلى اليهود، وصرف الضالين إلى النصارى؟ قيل له: إنما عرف ذلك بالخبر واستدلالا بالآية. فأما الخبر، فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا سأله وهو بوادي القرى من المغضوب عليهم؟ قال: اليهود، قال: ومن الضالين؟ فقال: النصارى وأما الآية فلأن الله تعالى قال في قصة اليهود:
فبآءو بغضب على غضب
[البقرة: 90] وقال تعالى في قصة النصارى:
قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل
[المائدة: 77]. (آمين) ليس من السورة. ولكن روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقوله، ويأمر به، ومعناه ما قال ابن عباس: يعني كذلك يكون، وروي عن مجاهد أنه قال: هو اسم من أسماء الله تعالى ويكون معناه: يا الله استجب دعاءنا. وقال بعضهم: هي لغة بالسريانية. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ما حسدتكم اليهود في شيء، كحسدهم في (آمين) يعني: أنهم يعرفون ما فيه من الفضيلة. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: (آمين) خاتم رب العالمين، يختم به دعاء عباده المؤمنين. وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معنى آمين؟ قال: رب افعل. ويقال: فيه لغتان (أمين) بغير مد، و(آمين) بالمد، ومعناهما واحد وقد جاء في أشعارهم/ كلا الوجهين. قال القائل: