تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقال: كل صنف [من الحيوان] عالم على حده. قوله عز وجل ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ قال في رواية الكلبي هما إسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر. وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع فلو قال: هما إسمان لطيفان لكان أحسن ولكن معناه عندنا - والله أعلم - أنه أراد بالرقة الرحمة يقال: رق فلان [لفلان] إذا رحمه. يقال: رق يرق إذا رحم. وقوله: أحدهما أرق من الآخر. قال بعضهم: الرحمن أرق لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين. وقال بعضهم: الرحيم أرق لأنه في الدنيا وفي الآخرة. وقال بعضهم: كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه، فلهذا المعنى لم يبين، وقال أحدهما أرق من الآخر، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر. قوله تعالى: ﴿ ملك يوم الدين ﴾ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف وقرأ عاصم والكسائي بالألف فأما من قرأ بالألف قال: لأن [المالك] أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك الدابة، ولا يقال ملك، إلا لملك من ملوك، وأما الذي قرأ: ملك [بغير ألف قال] " لأن [الملك] أبلغ في الوصف، لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك، وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة، وروى مالك بن دينار [عن] [أنس بن مالك] قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب ﴿ الحمد لله رب العلمين ﴾ وكلهم يقرأون ﴿ ملك يوم الدين ﴾ بالألف.

قال الفقيه - رحمه الله -: سمعت أبي يحكي [بإسناده] عن أبي عبد الله محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ [بقراءة] الكسائي مالك يوم الدين بالألف فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة (وكنت أقرأ) ﴿ ملك يوم الدين ﴾ فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

" اقرأوا القرآن فخما مفخما "

[فلم أترك القراءة ب: " ملك " حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي:] لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، فلم نقصت من حسناتك عشرا في كل قراءة؟ فلما أصبحت أتيت قطربا وكان إماما في اللغة - فقلت له: ما الفرق بين ملك ومالك؟ فقال: بينهما فرق كثير. فأما ملك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك. فرجعت إلى قراءة الكسائي. ثم معنى قوله " مالك " يعني: قاضي وحاكم (يوم الدين) يعني يوم الحساب كما قال تعالى

ذلك الدين القيم

[التوبة، الآية: 36] [يعني الحساب القيم. وقيل أيضا: معنى يوم الدين يعني يوم القضاء. كما قال الله تعالى

ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك

[يوسف: 76] يعني في قضائه] وقيل أيضا: يوم الدين أي يوم الجزاء، كما يقال: كما تدين تدان. يعني كما تجازي تجازى به. فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟ وهو مالك يوم الدين وغيره. قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك. مثل فرعون ونمرود وغيرهما. وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له. كما قال تعالى:

لمن الملك اليوم

[غافر: 16] فأجاب جميع الخلق

لله الواحد القهار

[غافر: 16] فكذلك ها هنا. قال: ﴿ ملك يوم الدين ﴾ يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك، ولا قاض ولا مجاز غيره. قوله تعالى: ﴿ إياك نعبد ﴾ هو تعليم، علم المؤمنين كيف يقولون إذا قاموا بين يديه في الصلاة فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم حتى يوفقهم ويعينهم فقال ﴿ إياك نعبد ﴾ أي نوحد ونطيع. وقال بعضهم ﴿ إياك نعبد ﴾ يعني إياك نطيع طاعة، نخضع فيها لك. وقوله تعالى: ﴿ وإياك نستعين ﴾ يقول: [بك نستوثق] على عبادتك وقضاء الحقوق. وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله ﴿ الحمد لله ﴾ ثم ذكر بلفظ المخاطبة، فقال: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ وهذا كما قال في آية أخرى

بحر العلوم · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٢