تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما دخل الرسول مكة جاء إلى عبد المطلب وأدى إليه الرسالة فقال له عبد المطلب ما نريد حربه وما لنا بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن " ذي يفن " وكان صديقا له فجاءه وهو في مجلسه فقال له هل عندك من عناء بما نزل بنا فقال له ذويفن ما عناء رجل أسير بيد ملك ينتظر بأن يقتله عدوا أو مشيا: ألا إن صاحب الفيل صديق لي فأرسل إليه فأوصيه لك وأعظم عليه حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه أنت بما بدا لك فقال: حسبي ففعل ذلك فلما دخل عبد المطلب على الملك وكلمه فأعجبه كلامه ثم قال لترجمانه قل له: ما حاجتك؟ قال عبد المطلب حاجتي إليك أن ترد إلي مائتي بعير لي فلما قال ذلك قال له أبرهة لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم إني رجوت (يعني كرهت) فيك حيث كلمتني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ قال عبد المطلب: أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه فقال ما كان يمنع مني قال أنت وذلك فرد عليه الإبل فانصرف عبد المطلب إلى قريش وأخبرهم الخبر وأمر بالخروج لمن بقي من أهل مكة إلى الجبال وفي بطون الشعاب ثم إن عبد المطلب أخذ بحلقتي باب الكعبة وقال اللهم إن المرء يمنع رحله وذكر كلمات في ذلك ثم أرسل حلقتي الباب وانطلق ومن معه إلى الجبال ينتظرون ما يصنع أبرهة بمكة فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وجيشه وكان اسم الفيل محمودا وكنيته أبو العباس وكتبه أبو البكشوم فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي حتى جاء إلى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال ابرك محمودا وارجع راشدا من حيث جئت فإنك والله في بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه.

فاضطجع فضربه ليقوم فأبى فضربوه ليقوم فأبى وضربوا بالطبرزين فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى مكة فبرك وأرسل الله تعالى عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طير منها ثلاثة أحجار حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمصة والعدسة لا تصيب أحدا منهم إلا هلك فخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي جاؤوا منه ويتساءلون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق فخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل فخرجوا معه يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل فأصيب أبرهة في جسده وخرجوا معه فيسقط من جسده أنملة أنملة كلما سقطت منه أنملة خرجت منه مدة قيح ودم حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم مات فملك ابنه يكثوم بن أبرهة ملك اليمن وروي في الخبر أنه أول ما وقعت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام وقال بعضهم كان أمر أصحاب الفيل قبل مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث وعشرين سنة وقال بعضهم كان ذلك في عام مولده - عليه السلام - وروي عن قبس بن مخرمة أنه قال ولدت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عام الفيل فنزل قوله (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) يعني كيف عاقب ربك أصحاب الفيل بالحجارة حين أرادوا هدم الكعبة قال تعالى ﴿ ألم يجعل كيدهم فى تضليل ﴾ يعني في خسارة ويقال معناه ألم يجعل صنيعهم في أباطيل ﴿ وأرسل عليهم طيرا أبابيل ﴾ يعني متتابعا بعضها على أثر بعض أرسل عليهم الله طيورا بيضا صغارا وقال عبيد بن عمير أرسل عليهم طيرا بلقا من البحر كأنها الخطاطيف وروى عطاء عن ابن عباس قال طيرا سودا جاءت من قبل البحر فوجا فوجا ثم قال (ترميهم بحجارة من سجيل) قال سعيد بن جبير الحجارة أمثال الحمصة وروي عن ابن عباس قال رأيت عند أم هانىء من تلك الحجارة مثل بعر الغنم مخططة بحمرة.

وروى إسرائيل عن جابر بن أسباط قال طيرا كأنها رجال الهند جاءت من قبل البحر تحمل الحجارة في مناقيرها وأظافيرها أكبرها كمبارك الإبل وأصغرها كرؤوس الإنسان ﴿ ترميهم بحجارة من سجيل ﴾ يعني من طين خلط بالحجارة ويقال طين مطبوخ كما يطبخ الآجر وذكر مقاتل عن عكرمة قال هي طير جاءت من قبل البحر لها رؤوس كرؤوس السباع لم تر قبل يومئذ ولا بعده فجعلت ترميهم بالحجارة فتجدر جلودهم وكان أول يوم رأى فيه الجدري ويقال مكتوب في كل حجر اسم الرجل واسم أبيه ولا يصيب الرجل شيء إلا نفده فيها وقع على رأس رجل إلا خرج من دبره وما وقعت على جانبه إلا خرجت من الجانب الآخر وقال وهب بن منبه حجارة من سجيل قال بالفارسية سنك وكل يعني حجارة وطين وروى موسى بن يشار عن عكرمة حجارة من سجيل قال سنك وكل ثم قال عز وجل ﴿ فجعلهم كعصف مأكول ﴾ يعني كزرع بال فأخبر الله تعالى أنه سلط على الجبابرة أضعف خلقه كما سلط على النمرود بعوضة فأكلت من دماغه أربعين يوما فمات من ذلك والله أعلم بالصواب.

بحر العلوم · الصفحة ١٢٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ١٢٩٦