66.9-12
قوله تعالى ﴿ يأيها النبى جهد الكفر والمنفقين ﴾ يعني جاهد الكفار بالسيف وجاهد المنافقين بالقول والتهديد ﴿ واغلظ عليهم ﴾ يعني اشدد عليهم يعني على كلا الفريقين يعني على الكفار بالسيف وعلى المنافقين باللسان ﴿ ومأواهم جهنم ﴾ يعني إن لم يرجعوا ولم يتوبوا فمرجعهم إلى جهنم ﴿ وبئس المصير ﴾ يعني بئس القرار وبئس المرجع.
قوله تعالى ﴿ ضرب الله مثلا ﴾ يعني وصف الله شبها لكفار مكة وذلك أنهم استهزؤوا وقالوا إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يشفع لنا فبين الله تعالى أن شفاعته عليه السلام لا تنفع لكفار مكة كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته وشفاعة لوط لامرأته وذلك قوله ﴿ للذين كفروا امرأت نوح ﴾ واسمها واعلة ﴿ وامرأت لوط ﴾ واسمها داهلة ويقال فيه تخويف لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليثبتن على دينه وطاعته ثم قال ﴿ كانتا تحت عبدين من عبادنا صلحين ﴾ يعني نوحا ولوطا عليهما السلام ﴿ فخانتاهما ﴾ يعني خالفتاهما في الدين، وروي عن ابن عباس أنه قال ما زنت امرأة نبي قط وما كانت خيانتهما إلا في الدين، فأما امرأة نوح كانت تخبر الناس أنه مجنون وأما امرأة لوط كانت تدل على الأضياف، وقال عكرمة الخيانة في كل شيء ليس في الزنا ﴿ فلم يغنينا عنهما من الله شيئا ﴾ يعني لم يمنعهما صلاح زوجهما مع كفرهما من الله شيئا يعني من عذاب الله شيئا ﴿ وقيل ﴾ لهما في الآخرة ﴿ ادخلا النار مع الدخلين ﴾ فكذلك كفار مكة وإن كانوا أقرباء النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينفعهم صلاح النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك أزواجه إذا خالفنه ثم ضرب الله مثلا للمؤمنين فقال عز وجل ﴿ وضرب الله مثلا للذين ءامنوا ﴾ يعني بين الله شبها وصفة للمؤمنين الذين آمنوا ﴿ امرأة فرعون ﴾ فإنها كانت صالحة لم يضرها كفر فرعون فكذلك من كان مطيعا لله لا يضره شر غيره، ويقال: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة يعني لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون صبرت على إيذاء فرعون ﴿ إذ قالت رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة ﴾ وذلك أن فرعون: لما علم بإيمانها فطلب منها أن ترجع فأبت ولم ترجع عن إيمانها فوتدها بأربعة أوتاد في يديها ورجليها وربطها وجعل على صدرها حجر الرحاء وجعلها في الشمس فأراها الله تعالى بيتها في الجنة ونسيت ما هي فيه من العذاب وضحكت فقالوا عند ذلك هي مجنونة تضحك وهي في العذاب وروى أبو عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قالت كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس فإذا ذرت أي طلعت الشمس وارتفعت أظلتها الملائكة بأجنحتها وأريت مقعدها من الجنة وروى قتادة عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال
" حسبك من نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - وآسية امرأة فرعون "
ثم قال الله عز وجل ﴿ رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة ﴾ يعني ارزقني في الجنة ﴿ ونجنى من فرعون وعمله ﴾ يعني من عذاب فرعون وظلمه ﴿ ونجنى من القوم الظلمين ﴾ يعني من قوم فرعون يعني من تعييرهم وشماتتهم ثم قال عز وجل ﴿ ومريم ابنة عمران ﴾ يعني واذكر مريم، ويقال: معناه وضرب الله مثلا مريم ابنة عمران وصبرها على إيذاء اليهود ﴿ التى أحصنت فرجها ﴾ يعني عفت نفسها عن الفواحش ﴿ فنفخنا فيه من روحنا ﴾ يعني أرسلنا جبريل عليه السلام فنفخ في جيب درعها وذلك قوله " فنفخنا فيه من روحنا " أي في جيبها أي روحا من أرواحنا وهي روح عيسى عليه السلام ﴿ وصدقت بكلمت ربها ﴾ أي صدقت بعيسى عليه السلام ويقال صدقت بالبشارات التي بشرها بها جبريل ﴿ وكتبه ﴾ يعني آمنت بكتاب الله تعالى، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وكتبه يعني الكتب التي أنزلت على الأنبياء والباقون بكتابه يعني الإنجيل وقرأ بعضهم وصدقت بكلمة ربها يعني صار عيسى مخلوقا بكلمة الله فصدقت بذلك ﴿ وكانت من القنتين ﴾ يعني المطيعين لله.