تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

60.7-10

قال عز وجل: ﴿ عسى الله أن يجعل بينكم ﴾ يعني: لعل الله أن يجعل بينكم ﴿ وبين الذين عاديتم ﴾ من كفار مكة ﴿ منهم مودة ﴾ وذلك أنه لما أخبرهم عن إبراهيم بعداوته مع أبيه فأظهر المسلمون العداوة مع أرحامهم فشق ذلك على بعضهم فنزل ﴿ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ﴾ يعني: صلة قال مقاتل فلما أسلم أهل مكة خالطوهم وناكحوهم فتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة بنت أبي سفيان وأسلمت وأسلم أبوها ويقال يسلم منهم فيقع بينكم وبينهم مودة بالإسلام وهذا القول أصح لأنه كان قد تزوج بأم حبيبة قبل ذلك ﴿ والله قدير ﴾ على المودة ويقال قدير بقضائه وهو ظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهل مكة ﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب منهم ﴿ رحيم ﴾ بهم بعد التوبة ثم رخص في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم وهم خزاعة وبني مدلج فقال عز وجل: ﴿ لا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم فى الدين ﴾ يعني: عن صلة الذين لم يقاتلوكم في الدين ﴿ ولم يخرجوكم من ديركم أن تبروهم ﴾ يعني: أن تصلوهم ﴿ وتقسطوا إليهم ﴾ يعني: تعدلوا معهم بوفاء عهدهم ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾ يعني: العادلين بوفاء العهد يقال أقسط الرجل فهو مقسط وإذا عدل وقسط يقسط فهو قاسط إذا جار.

ثم قال عز وجل: ﴿ إنما ينهكم الله عن الذين قتلوكم فى الدين ﴾ يعني: عن صلة الذين قاتلوكم في الدين وهم أهل مكة ومن كان في مثل حالهم من أهل الحرب ﴿ وأخرجوكم من ديركم وظهروا على إخرجكم ﴾ يعني: عاونوا على إخراجكم من دياركم ﴿ أن تولوهم ﴾ يعني: أن تناصحوهم ﴿ ومن يتولهم ﴾ منكم يعني: يناصحهم ويحبهم منكم ﴿ فأولئك هم الظلمون ﴾ يعني: الكافرون الظالمون لأنفسهم. قوله عز وجل: ﴿ يأيها الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنت مهجرت ﴾ وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح أهل مكة يوم الحديبية وكتب بينه وبينهم كتابا

" إن من لحق من المسلمين بأهل مكة فهو منهم ومن لحق منهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - رده عليهم "

فجاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - اسمها سبيعة بنت الحارث الأسلمية فجاء زوجها في طلبها فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ارددها فإن بيننا وبينك شرطا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -

" إنما كان الشرط في الرجال ولم يكن في النساء "

فأنزل الله تعالى إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات نصب على الحال ﴿ فامتحنوهن ﴾ يعني: اختبروهن ما أخرجكن من بيوتكن ويقال: فامتحنوهن يعني: اسألوهن ويقال استخلفوهن ما خرجنا إلا حرصا على الإسلام ولم تكن لكراهية الزوج ولا لغير ذلك ﴿ الله أعلم بإيمنهن ﴾ يعني: أعلم بسرائرهن ﴿ فإن علمتموهن مؤمنت ﴾ يعني: إذا ظهر عندكم إنها خرجت لأجل الإسلام ولم يكن خروجها لعداوة وقعت بينها وبين زوجها ﴿ فلا ترجعوهن إلى الكفار ﴾ يعني: لا تردوهن إلى أزواجهن ﴿ لا هن حل لهم ﴾ يعني: لا تحل مؤمنة لكافر ﴿ ولا هم يحلون لهن ﴾ يعني: ولا نكاح كافر لمسلمة قوله تعالى: ﴿ وآتوهم مآ أنفقوا ﴾ يعني: أعطوا أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهر قال مقاتل يعني: إن تزوجها أحد من المسلمين يدفع المهر إلى الزوج فإن لم يتزوجها أحد من المسلمين فليس لزوجها الكافر شيء ثم قال ﴿ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن ﴾ يعني: لا حرج على المسلمين أن يتزوجوهن ﴿ إذآ آتيتموهن أجورهن ﴾ يعني: مهورهن فرد المهر على الزوج الكافر منسوخ وفي الآية دليل أن المرأة إذا خرجت من دار الحرب بانت من زوجها وفي الآية تأييد لقول أبي حنيفة أنه لا عدة عليها وفي أقوال أبي يوسف ومحمد عليها العدة.

ثم قال: ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ قرأ أبو عمرو ولا تمسكوا بالتشديد والباقون بالتخفيف فمن قرأ بالتخفيف فهو من أمسك يمسك ومن قرأ بالتشديد فهو من مسك بالشيء يمسكه تمسيكا ومعناهما واحد وهو أن المرأة إذا كفرت ولحقت بدار الحرب فقد زالت العصمة بينهما فنهى أن يقبضها من بعد انقطاعها وجاز له أن يتزوج أختها أو أربعا سواها وأصل العصمة الحبل ومن أمسك بالشيء فقد عصمه وقال معناه لا ترغبوا فيهن ولا تعتدوا فيهن ويقال لا تعتد بامرأتك الكافرة فإنها ليست لك بامرأة وكان للمسلمين نساءا في دار الحرب فتزوجهن هناك ثم قال ﴿ واسألوا مآ أنفقتم ﴾ يعني: اسألوا من أزواجهن ما أنفقتم عليهن من المهر ﴿ وليسألوا ﴾ منكم ﴿ مآ أنفقوا ﴾ يعني: ما أعطوا من مهر المرأة التي أسلمت وهذه الآية نسخت إلا قوله (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) ثم قال ﴿ ذلكم حكم الله ﴾ يعني: أمره ونهيه ﴿ يحكم بينكم ﴾ يعني: يقضي بينكم ﴿ والله عليم حكيم ﴾.

بحر العلوم · الصفحة ١١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ١١٨٠