53.28-32
قال عز وجل: ﴿ وما لهم به من علم ﴾ يعني: ليس لهم حجة على مقالتهم ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ يعني: ما يتبعون إلا الظن يعني: على غير يقين ﴿ وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا ﴾ يعني: لا يمنعهم من عذاب الله شيئا ﴿ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ﴾ يعني: اترك من أعرض عن القرآن ولا يؤمن به ﴿ ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ يعني: لم يرد بعلمه الدار الآخرة إنما يريد به منفعة الدنيا ﴿ ذلك مبلغهم من العلم ﴾ يعني: غاية علمهم الحياة الدنيا، ويقال: ذلك منتهى علمهم لا يعلمون من أمر الآخرة شيئا وهذا كقوله
يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون
[الروم: 7].
ثم قال عز وجل: ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ يعني: هو أعلم بمن ترك طريق الهدى ﴿ وهو أعلم بمن اهتدى ﴾ يعني: من تمسك بدين الإسلام، ومعناه فأعرض عنهم ولا تعاقبهم فإن الله عليم بعقوبة المشركين وبثواب المؤمنين، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال ثم عظم نفسه بأنه غني عن عبادتهم فقال ﴿ ولله ما فى السموات وما في الأرض ﴾ من الخلق ﴿ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ﴾ يعني: ليعاقب في الآخرة الذين أشركوا وعملوا المعاصي ﴿ ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى ﴾ يعني: ويثيب الذين آمنوا وأدوا الفرائض الخمسة بإحسانهم ثم نعت المحسنين فقال: ﴿ الذين يجتنبون كبئر الإثم والفوحش ﴾ قرأ حمزة والكسائي كبير الإثم والفحش بلفظ الوحدان والمراد به الجنس والباقون كبائر الإثم بلفظ الجماعة، قال بعضهم كبائر الإثم يعني: الشرك بالله، والفواحش يعني: المعاصي وقال بعضهم: كبائر الإثم والفواحش بمعنى واحد، لأن كل فاحشة كبيرة، وكل كبيرة فاحشة وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال
" الكبائر أربعة الشرك بالله واليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله "
، وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الكبائر سبعة فبلغ ذلك إلى عبد الله بن عباس فقال هي إلى السبعين أقرب، ويقال كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وقيل كل ما أصر العبد عليه فهو كبيرة، كما روي عن بعضهم أنه قال لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار. قال ﴿ إلا اللمم ﴾ وقال بعضهم: اللمم هو الصغائر من الذنوب يعني: إذا اجتنبت الكبائر يغفر الله صغار الذنوب من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة وهو كقوله تعالى:
إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئتكم
[النساء: 31] قال مقاتل نزلت في شأن نبهان التمار وذلك أن امرأة أتت لتشتري التمر فقال لها ادخلي الحانوت فعانقها وقبلها فقالت المرأة خنت أخاك ولم تصب حاجتك فندم وذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروى مسروق عن ابن مسعود قال زنا العينين النظر وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين المشي، وإنما يصدق ذلك الفرج، أو يكذبه فإن تقدم كان زنا وإن تأخر كان لمما.
وقال عكرمة اللمم النظر وحديث النفس ونحو ذلك، وروى طاووس عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
" إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا فزنا العينين نظر الناظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه "
وقال عبد الله بن الزبير - اللمم القبلة واللمس باليد وقال بعضهم اللمم كل ذنب يتوب عنه ولا يصر عليه وروى منصور عن مجاهد قال في قوله " إلا اللمم " هو الرجل يذنب الذنب ثم ينزع عنه، وروي عن أبي هريرة قال اللمم النكاح وذكر ذلك لزيد بن أسلم فقال صدق إنما اللمم لمم أهل الجاهلية يقول الله تعالى في كتابه
وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف
[النساء: 23] وروي عن الحسن أنه قال: اللمم هو أن يصيب النظرة من المرأة والشربة من الخمر ثم ينزع عنه وروي عن مجاهد أنه قال الذي يلم بالذنب ثم يدعه، وقد قال الشاعر: