تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله تعالى: ﴿ إذ جآءوكم ﴾ أي المشركون ﴿ من فوقكم ﴾ أي من الشرق وهم غطفان بقيادة عيينة بن حصن وأسد، ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ وهم قريش وكنانة أي من الجنوب الغربي وهذا تحديد لساحة المعركة، وقوله ﴿ وإذ زاغت الأبصار ﴾ أي مالت عن كل شيء فلم تبق تنظر إلا إلى القوات الغازية من شدة الخوف، ﴿ وبلغت القلوب الحناجر ﴾ أي ارتفعت بارتفاع الرئتين فبلغت منتهى الحلقوم. وقوله ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ المختلفة من نصر وهزيمة وسلامة وعطب، وهذا تصوير للحال أبدع تصوير وهو كما ذكر تعالى حرفيا.

وقوله تعالى ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المكان والزمان الذي حدق العدو بكم ﴿ ابتلي المؤمنون ﴾ أي اختبرهم ربهم ليرى الثابت على إيمانه الذي لا تزعزعه الشدائد والفتن من السريع الانهزام والتحول لضعف عقيدته وقلة عزمه وصبره. وقوله تعالى ﴿ وزلزلوا زلزالا شديدا ﴾ أي أزعجوا وحركوا حراكا شديدا لعوامل قوة العدو وكثرة جنوده، وضعف المؤمنين وقلة عددهم، وعامل المجاعة والحصار، والبرد الشديد وما أظهره المنافقون من تخاذل وما كشفت عنه الحال من نقض بني قريظة عهدهم وانضمامهم إلى الأحزاب.

وقوله تعالى: ﴿ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ﴾ أي النفاق لضعف إيمانهم ﴿ ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أي من النصر ﴿ إلا غرورا ﴾ أي باطلا: وذلك أنهم لما كانوا يحفرون في الخندق استعصت عليهم صخرة فأبت أن تنكسر فدعي لها الرسول صلى الله عليه وسلم فضربها بالمعول ضربة تصدعت لها وبرق منها بريق أضاء الساحة كلها فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون، ثم ضربها ثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير الفتح وكبر المسلمون وضرب ثالثة فكسرها وبرقت لها برقة كسابقتيها وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد سلمان فرقى من الخندق فقال سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيته قط فالتفت رسول الله إلى القوم فقال هل رأيتم ما رأى سلمان؟ قالوا نعم يا رسول الله فأعلمهم أنه على ضوء ذلك البريق رأى قصور مدائن كسرى كأنياب الكلاب وإن جبريل أخبرني أن أمتي ظاهرة عليها كما رأيت في الضربة الثانية القصور الحمراء من أرض الروم وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ورأيت في الثالثة قصور صنعاء وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا أبشروا أبشروا فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعود صدق.

فلما طال الحصار واشتدت الأزمة واستبد الخوف بالرجال قال المنافقون وضعفاء الإيمان ﴿ ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ﴾ إذ قال معتب بن قشير يعدنا محمد بفتح فارس والروم وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقا وخوفا ما هذا إلا وعد غرورا!!.

وقوله ﴿ وإذ قالت طآئفة منهم ﴾ أي من المنافقين. وهو أويس بن قيظى أحد رؤساء المنافقين ﴿ يأهل يثرب ﴾ أي المدينة قبل أن يبطل الرسول هذا الإسم لها ويسميها بالمدينة ﴿ لا مقام لكم ﴾ أي في سفح سلع عند الخندق ﴿ فارجعوا ﴾ إلى منازلكم داخل المدينة بحجة أنه لا فائدة في البقاء هنا دون قتال، وما قال ذلك إلا فرارا من القتال وهروبا من المواجهة، وقوله تعالى ﴿ ويستئذن فريق منهم النبي ﴾ أي يطلبون الإذن لهم بالعودة إلى منازلهم بالمدينة بدعوى أن بيوتهم عورة أي مكشوفة أمام العدو وهم لا يأمنون عليها وأكذبهم الله تعالى في قولهم فقال ﴿ وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ﴾ أي ما يريدون بهذا الاعتذار إلا الفرار من وجه العدو، وقال تعالى فيهم ومن أصدق من الله قيلا. ﴿ ولو دخلت عليهم ﴾ المدينة ﴿ من أقطارها ﴾ أي من جميع نواحيها من شرق وغرب وشمال وجنوب ﴿ ثم سئلوا الفتنة ﴾ أي ثم طلب منهم العدو الغازي الذي دخل عليهم المدينة الردة أي العودة إلى الشرك ﴿ لآتوها ﴾ أعطوها فورا ﴿ وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا ﴾ حتى يرتدوا عن الإسلام ويصبحوا كما كانوا مشركين والعياذ بالله من النفاق والمنافقين.

أيسر التفاسير · الصفحة ٩١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أيسر التفاسيرص ٩١٣